فهرس الكتاب
وقد ذكر العاملي ما ذكرناه من أن أبا بكر وعمر كانا أول المتكلمين، إلا أنه لم يستطع لفرط حقده على الصحابة إلا أن يلوك لسانه كما يلوك الفرس لجامه، وألقى باللائمة على المؤرخين الذين لم يسوقوا كلامهما؛ فإنهما لا محالة - بزعمه - يهرفان بما لا يعرفان، وينطقان بغير ما عنه يُسألان، فقال - وبئس ما قال:
[إن كلامهما لم يكن منسجمًا مع ما كان يهدف إليه النبي صلى الله عليه وسلم من مشاورته لهم، بل كان مضادًا لما كان يرمي إليه صلى الله عليه وسلم، ولو كان كلامهم لائقًا لذكره محِبُّوهم من المؤرخين والرواة وما أكثرهم] [1] .
أقول:
إن نقلة التاريخ أجود منك عقلًا يا سيِّد مرتضى، وأنضج منك فكرًا، وبديهتهم أثقب من رويتك، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم كان يريد أن يسمع رأي الأنصار في الخروج لقتال قريش؛ لأنه ضيف عندهم، يتشوَّف إلى نصرتهم؛ لكونهم أكثر عددًا؛ لذلك كان قولهم أحرى بالنَّقل والذَّكر من قول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، لا لكون كلامهما مستهجنًا ساقطًا، بل لكونه معلومًا لدى النَّبِيهِ، يصِِلُ إلى خيال الفَطِن، فلا داعي لذِكره، فتدبَّر هذا!!
أين رأي علي؟
ومما يثير الغرابة أن العاملي انتبه إلى أن علياًّ لم يتكلم في هذه الحادثة، فبوَّب لذلك قائلًا: (أين رأي علي؟) ثم قال وقد احتدم غيضًا:
[ويلاحظ هنا:
أننا لا نجد علياًّ في هذا المقام يبدي رأيًا، ولا يبادر إلى موقف، أو مشورة، مع أنه رجل الحكمة، ومعدن العلم، فما هو السر في ذلك يا ترى؟!
ونقول في الجواب:
إن موقف علي هو موقف نفس النبي صلى الله عليه وسلم، وقد وصفه الله سبحانه وتعالى في آية المبأهلة بأنه نفس النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ) ) [آل عمران:61] .
أضف إلى ذلك:
(1) الصحيح من السيرة - السيد جعفر مرتضى ج:5 ص27.