فهرس الكتاب
بعد أن تبين أنَّ العصمة لا تكون لأحد إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يبين هنا ابن تيمية أن من فضل الله - تعالى - على هذه الأمة أنْ ضَمن لمجموعها العصمة، وأنها لا تجتمع على ضلالة، فقال: «والله - تعالى - قد ضمن العصمة للأمَّة، فمن تمام العصمة أن يجعل عددًا من العلماء وإن أخطأ الواحد منهم في شيء كان الآخر قد أصاب فيه حتى لا يضيع الحق، ولهذا لما كان في قول بعضهم من الخطأ في مسائل، كبعض المسائل التي أوردها، كان الصواب في قول الآخر، فلم يتفق أهل السُّنَّة على ضلالة أصلًا» [15] .
وقال أيضًا: «.. فلهذا لم يجتمع قط أهل الحديث على خلاف قوله في كلمة واحدة، والحق لا يخرج عنهم قط، وكل ما اجتمعوا عليه فهو ممَّا جاء به الرسول، وكل ما خالفهم من خارجي ورافضي ومعتزلي وجهمي وغيرهم من أهل البدع، فإنَّما يُخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل من خالف مذاهبهم في الشرائع العملية كان مخالفًا للسنَّة الثابتة..» .
إلى أن قال: «أهل الحديث لا يتفقون إلا على ما جاء عن الله ورسوله وما هو منقول عن الصحابة، فيكون الاستدلال بالكتاب والسُّنَّة وبإجماع الصحابة مغنيًا عن دعوى إجماع ينازع في كونه حجة بعض الناس، وهذا بخلاف من يدَّعي إجماع المتأخرين من أهل المدينة إجماعًا، فإنَّهم يذكرون ذلك في مسائل لا نص فيها؛ بل النص على خلافها، وكذلك المدّعون إجماع العترة يدَّعون من الإجماع الذي يزعمون أنَّه حجَّة.
وأمَّا أهل الحديث: فالنصوص الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هي عمدتهم، عليها يُجمعون إذا أجمعوا، خاصة وأئمتهم يقولون: لا يكون قط إجماع صحيح على خلاف نصٍّ إلا ومع الإجماع نصٌّ ظاهر معلوم، يُعرف أنَّه معارض لذلك النصِّ الآخر، فإذا كانوا لا يُسوِّغون أن تعارض النصوص بما يُدَّعى من إجماع الأمَّة، لبطلان تعارض النص والإجماع عندهم، فكيف إذا عورضت النصوص بما يُدَّعى من إجماع العترة أو أهل المدينة؟!» [16] .