فهرس الكتاب
أحق الناس بالاجتهاد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فهم أعلم هذه الأمة بدين الإسلام، وأرسخهم فهمًا لدلائله ومقاصده، ومن تمام الفقه والبصيرة العناية بمعرفة اجتهاداتهم وتحرير أقوالهم.
ومما يؤسف له أن بعض المتأخرين ربما يعتني بتحرير أقوال أشياخه ومجتهدي مذهبه أكثر من عنايته بتحرير اجتهادات الصحابة - رضي الله عنهم -.
قال ابن تيمية: «وقد ثبت في موضع غير هذا أنَّ اجتهادات السلف من الصحابة والتابعين كانت أكمل من اجتهادات المتأخرين، وأنَّ صوابهم أكمل من صواب المتأخرين، وخطأهم أخف من خطأ المتأخرين، فالذين قالوا من الصحابة والتابعين بصحة نكاح المتعة خطؤهم أيسر من خطأ من قال من من المتأخرين بصحة نكاح المحلل، من أكثر من عشرين وجهًا، قد ذكرناها في مصنف مفرد، والذين قالوا من الصحابة والتابعين بجواز الدرهم بدرهمين خطؤهم أخف من خطأ من جوَّز الحيل الربوية من المتأخرين، والذين أنكروا ما قاله الصحابة، عمر وغيره، في مسألة المفقود من أنَّ زوجها إذا أتى خُيِّر بين امرأته ومهرها قولهم ضعيف، وقول الصحابة هو الصواب الموافق لأصول الشرع، والذين عدُّوا هذا خلاف القياس، وقالوا: لا ينفذ حكم الحاكم إذا حكم به، قالوا ذلك لعدم معرفتهم بمآخذ الصحابة ودقة فهمهم، فإن هذا مبني على وقف العقود عند الحاجة، وهو أصل شريف من أصول الشرع.
وكذلك ما فعله عمر من جعل أرض العنوة فيئًا هو فيه على الصواب، دون من لم يفهم ذلك من المتأخرين، وإنَّ الذي أشار به علي بن أبي طالب في قتال أهل القبلة، كان علي - رضي الله عنه - فيه على الصواب، دون من أنكره عليه من الخوارج وغيرهم، وما أفتى به ابن عباس وغيره من الصحابة في مسائل الأيمان والنذور والطلاق والخلع، قولهم فيها على الصواب، دون قول من خالفهم من المتأخرين.
وبالجملة فهذا باب يطول وصفه، فالصحابة أعلم الأمَّة وأفقهها وأدينها» [14] .