الصفحة 27 من 211

ولعلَّ هذا هو السبب الرئيس الذي جعل ابن تيمية - رحمه الله تعالى - يقتصر في مؤلفاته على توضيح عقائد الإسلام، والردِّ على خصومه من الكفار والمبتدعة الضلال، دون أن يفرد في تصنيف الفقهيات وفروع العلم مؤلفًا خاصًا، قال تلميذه عمر بن علي البزَّار - رحمه الله تعالى: «ولقد أكثر - رحمه الله - التصنيف في الأصول فضلًا عن غيره من بقية العلوم، فسألته عن سبب ذلك، والتمستُ منه تأليف نصٍّ في الفقه يجمع اختياراته وترجيحاته، ليكون عمدة في الإفتاء، فقال لي ما معناه: الفروع أمرها قريب، ومن قلَّد - المسلم - فيها أحد العلماء المقلَّدين جاز له العمل بقوله، ما لم يتيقن خطأه، وأما الأصول: فإني رأيت أهل البدع والضلالات والأهواء كالمتفلسفة والباطنية والملاحدة والقائلين بوحدة الوجود.. وغيرهم من أهل البدع، قد تجاذبوا فيها بأزمَّة الضلال، وبان لي أنَّ كثيرًا منهم إنَّما قصد إبطال الشريعة المقدسة المحمدية الظاهرة العليَّة على كلِّ دين، وأن جمهورهم أوقع الناس في التشكيك في أصول دينهم، ولهذا قلَّ أن سمعت أو رأيت مُعرضًا عن الكتاب والسُّنَّة، مقبلًا على مقالاتهم إلا وقد تزندق، أو صار على غير يقين في دينه واعتقاده، فلما رأيت الأمر على ذلك بانَ لي: أنَّه يجب على كلِّ من يقدر على دفع شبههم وأباطيلهم،وقطع حجتهم وأضاليلهم، أن يبذل جهده ليكشف رذائلهم، ويزيف دلائلهم، ذبًَّا عن الملة الحنيفية والسُّنَّة الصحيحة الجلية» [4] .

وهذا النصُّ المبارك فيه فوائد ولطائف كثيرة، منها:

أولًا: أنَّ هذا الإمام كان يحمل همَّ الدفاع عن حياض هذا الدين، وتُقلقه تلك البراعم الخبيثة التي يزرعها المبتدعة بين أمة الإسلام، فلم يقف عاجزًا مكتوف اليدين، بل شمَّر عن ساعد الجد يدفع مكرهم وكيدهم بالدلائل العلمية والحجج البرهانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت