الصفحة 48 من 211

يُشير ابن تيمية بعد التقرير السابق إلى منهج علمي لطيف في التعامل مع الكتب التي لا تلتزم الصحة في منقولاتها، فيقول مخاطبًا الرافضي: «ما يرويه مثل أبي نُعيم والثعلبي والنقاش وغيرهم: أتقبلونه مطلقًا؟ أم تردونه مطلقًا؟ أم تقبلونه إذا كان لكم لا عليكم، وتردونه إذا كان عليكم؟ فإن تقبلوه مطلقًا، ففي ذلك أحاديث كثيرة في فضائل أبي بكر وعمر وعثمان تناقض قولكم..» .

إلى أن قال: «فإن كان المخالف يقبل كل ما رواه هؤلاء وأمثالهم في كتبهم،فقد رووا أشياء كثيرة تناقض مذهبهم، وإن كان يردُّ الجميع بطل احتجاجه بمجرَّد عزوه الحديث بدون المذهب إليهم. وإن قال: أقبل ما يوافق مذهبي وأردُّ ما يُخالفه، أمكن منازعه أن يقول مثل هذا، وكلاهما لا يجوز أن يحتج على صحة مذهب بمثل هذا، فإنَّه يُقال: إن كنت إنَّما عرفت صحة هذا الحديث بدون المذهب، فاذكر ما يدل على صحته، وإن كنت إنَّما عرفت صحته لأنَّه يوافق المذهب، امتنع تصحيح الحديث بالمذهب، لأنَّه حينئذ صحة المذهب موقوفة على صحة الحديث، وصحة الحديث موقوفة على صحة المذهب، فيلزم الدور الممتنع..» .

ثم ذكر ابن تيمية المنهج العلمي لأهل السُّنَّة، فقال: «وأمَّا أهل العلم والدين فلا يُصدِّقون بالنقل ويُكذِّبون به بمجرد موافقة ما يعتقدون؛ بل قد ينقل الرجل أحاديث كثيرة لصحتها، وإن كان ظاهرها بخلاف ما يعتقدونه: إمَّا لا عتقادهم أنَّها منسوخة، وإمَّا لها تفسير لا يُخالفونه، ونحو ذلك.

فالأصل في النقل أن يرجع فيه إلى أئمة النقل وعلمائه، ومن يشركهم في علمهم علم ما يعلمون، وأن يُستدلَّ على الصحة والضعف بدليل منفصل عن الرواية، فلا بُدَّ من هذا وهذا، وإلا فمجرَّد قول القائل: رواه فلان، لا يحتج به لا أهل السُّنَّة ولا الشيعة، وليس في المسلمين يحتج بكلِّ حديث رواه كلُّ مصنِّف، فكل حديث يحتج به نطالبه من أولِّ مقام بصحته» [13] .

بعض قواعد الاستدلال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت