الصفحة 55 من 211

وهذا نص في أنَّ الدين كامل لا يحتاج معه إلى غيره، والناس في الأصل ثلاثة أقوال:

منهم من يقول: النصوص قد انتظمت جميع كليات الشريعة فلا حاجة إلى القياس؛ بل لا يجوز القياس.

ومنهم من يقول: بل كثير من الحوادث لا يتناولها النصوص، فالحاجة داعية إلى القياس. ومن هؤلاء من قد يدَّعي أنَّ أكثر الحوادث كذلك، وهذا سرف منهم.

ومنهم من يقول: بل النصوص تناولت الحوادث بطرق جلية أو خفية، فمن الناس من لا يفهم تلك الأدلَّة، أو لا يبلغه النص فيحتاج إلى القياس، وإن كانت الحوادث قد تناولها النصُّ، أو يقول: إن كلَّ واحد من عموم النص القطعي والقياس المعنوي حجة وطريق يسلك السالك إليه ما أمكنه، وهما متفقان لا يتناقضان إلا لفساد أحدهما، وهذا القول أقرب من غيره.

وأما الجزئيات فهذه لا يمكن النص على أعيانها، بل لا بدَّ فيها من الاجتهاد المسمى بتحقيق المناط، كما أن الشارع لا يمكن أن ينصَّ لكلِّ مصلٍّ على جهة القبلة في حقه، ولكل حاكم على عدالة كل شاهد، وأمثال ذلك...» [5] .

القاعدة الخامسة: الموازنة بين المصالح والمفاسد:

قال ابن تيمية: «فالأقل ظلمًا ينبغي أن يُعاون على الأكثر ظلمًا، فإن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان، ومعرفة خير الخيرين وشر الشرين، حتى يُقدَّم عند التزاحم خير الخيرين ويُدفعَ شرُّ الشرين» [6] .

وقال أيضًا: «الصواب الذي مصلحته أعظم: هو خير وأفضل من الصواب الذي مصلحته أقل» [7] .

وقال: «ومما ينبغي أنَّ يُعلم: أن الله - تعالى - بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الناس على غاية ما يمكن من الصلاح، لا لرفع الفاسد بالكلية، فإن هذا ممتنع في الطبيعة الإنسانية، إذ لا بدَّ فيها من فساد» [8] .

القاعدة السادسة: الفتنة من صوارف الاهتداء بالحق:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت