الصفحة 56 من 211

قال ابن تيمية: «.. وذلك أنَّ الله - تعالى - بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، فبالهدى يُعرف الحق، وبدين الحق يُقصد الخير ويُعمل به، فلا بُدَّ من علم بالحق، وقصد له وقدرة عليه، والفتنة تضادّ ذلك، فإنَّها تمنع معرفة الحق أو قصده أو القدرة عليه، فيكون فيها من الشبهات ما يلبس الحق بالباطل، حتى لا يتميَّز لكثير من الناس أو أكثرهم، ويكون فيها من الأهواء والشهوات ما يمنع قصد الحق وإرادته، ويكون فيها من ظهور قوة الشر ما يُضعف القدرة على الخير.

ولهذا يُنكر الإنسان قلبه عند الفتنة، فيردُ على القلوب ما يمنعها من معرفة الحق وقصده، ولهذا يُقال: فتنة عمياءُ صمَّاء، ويقال: فتن كقطع الليل المظلم، ونحو ذلك من الألفاظ التي يتبيَّن ظهور الجهل فيها، وخفاء العلم» [9] .

القاعدة السابعة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب:

قال ابن تيمية: «وهو صلى الله عليه وسلم أمره شامل عام لكلِّ مؤمن شاهده أو غاب عنه في حياته وبعد موته، وليس هذا لأحد من الأئمة ولا يُستفاد هذا بالإمامة. حتى أنه صلى الله عليه وسلم إذا أمر ناسًا معينين بأمور، وحكم في أعيان معينة بأحكام، لم يكن حكمه وأمره مختصًَّا بتلك المعينات، بل كان ثابتًا في نظائرها وأمثالها إلى يوم القيامة، فقوله صلى الله عليه وسلم لمن شهده: (لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود) [10] ، هو حكم ثابت لكلِّ مأموم بإمام ألَّا يسبقه بالركوع ولا بالسجود، وقوله لمن قال: لم أشعر فحلقت قبل أن أرميَ، قال: (ارمِ ولا حرج) ، ولمن قال: نحرت قبل أن أحلق، قال: (احلق ولا حرج) ، أمر لمن كان مثله [11] . وكذلك قوله لعائشة - رضي الله عنها - لما حاضت وهي معتمرة: (اصنعي ما يصنع الحاج غير ألَّا تطوفي بالبيت) [12] ، وأمثال هذا كثير...» [13] .

القاعدة الثامنة: العبادة مبناها على الاتباع لا على الابتداع:

قال ابن تيمية: «العبادات مبناها على أصلين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت