فهرس الكتاب
وللأهمية القصوى التي يراها ابن تيمية لتنقيح المرويات، استطرد - رحمه الله تعالى - في بيان الطرق العلميَّة للتمييز بين الصدق والكذب في المنقولات، وأسهب في شرح هذه القضية في أكثر من موضع في كتابه: (منهاج السُّنَّة النبويَّة) [10] .
من أجل ذلك حرص أهل السُّنَّة على تمييز السُّنَّة وتنقيحها، فـ: «أهل الحديث يعلمون صدق متون الصحيحين، ويعلمون كذب الأحاديث الموضوعة، التي يجزمون بأنها كذب بأسباب عرفوا بها ذلك، مَن شَركهم فيها علم ما علموه، ومن لم يشركهم لم يعلم ذلك، كما أنَّ الشهود الذين يتحملون الشهادة ويؤدونها يعرف من جرَّبهم وخبرهم صدق صادقهم وكذب كاذبهم.
وباب المعرفة بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله وأفعاله، وما ذكره من توحيد، وأمر ونهي، ووعد ووعيد، وفضائل لأعمال أو لأقوام، أو أمكنة أو أزمنة، ومثالب لمثل ذلك، أعلمُ النَّاس به أهل العلم بحديثه، الذين اجتهدوا في معرفة ذلك وطلبه من وجوهه، وعلموا أحوال نقلة ذلك، وأحوال الرسول صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة، وجمعوا بين رواية هذا وهذا وهذا، فعلموا صدق الصادق، وغلط الغالط، وكذب الكاذب.
وهذا علم أقام الله له من حفظ به على الأمَّة ما حفظ من دينها، وغير هؤلاء لهم تبع فيه: إمَّا مُستدل بهم، وإمَّا مُقلِّد لهم، كما أنَّ الاجتهاد في الأحكام أقام الله له رجالًا اجتهدوا فيه، حتى حفظ الله بهم على الأمَّة ما حفظ من الدين، وغيرهم لهم تبع فيه: إمَّا مستدل بهم، وإمَّا مُقلِّد لهم» [11] .