الصفحة 62 من 211

ويصف شيخ الإسلام ابن تيمية أهل الحديث بأنَّهم قد: «كملت خبرتهم بحال النبي صلى الله عليه وسلم ومحبتهم له، وصدقهم في التبليغ عنه، وصار هواهم تبعًا لما جاء به، فليس لهم غرض إلا معرفة ما قاله، وتمييزه عمَّا يُخلط بذلك من كذب الكذابين، وغلط الغالطين، كأصحاب الصحيح، مثل: البخاري، ومسلم، والإسماعيلي، والبرقاني، وأبي نعيم.. وما صححه أئمة أهل الحديث الذين هم أجلُّ من هؤلاء أو مثلهم، من المتقدِّمين والمتأخرين، مثل: مالك، وشعبة، ويحيى بن سعيد.

فإذا تدبر العاقل الأحاديث الصحيحة الثابتة عند هؤلاء وأمثالهم، عرف الصدق من الكذب؛ فإنَّ هؤلاء من أكمل الناس معرفة بذلك، وأشدهم رغبة في التمييز بين الصدق والكذب، وأعظمهم ذبًَّا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم المهاجرون إلى سنَّته وحديثه، والأنصار له في الدين، يقصدون ضبط ما قاله وتبليغه للناس، وينفون عنه ما كذبه الكذَّابون، وغلط فيه الغالطون، ومَن شَركهم في علمهم علم ما قالوه، وعلم بعض قدرهم، وإلا فليُسلِّم القوس إلى باريها، كما يُسلِّم إلى الأطباء طبَّهم، وإلى النحاة نحوهم، وإلى الفقهاء فقههم، وإلى أهل الحساب حسابهم، مع أنَّ جميع هؤلاء قد يتفقون على خطأ في صناعتهم، إلا الفقهاء فيما يفتون به من الشرع، وأهل الحديث فيما يفتون به من النقل، فلا يجوز أن يتفقوا على التصديق بكذب، ولا التكذيب بصدق؛ بل إجماعهم معصوم في التصديق والتكذيب بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم، كما أنَّ إجماع الفقهاء معصوم في الإخبار عن الفعل، بدخوله في أمره أو نهيه، أو تحليله أو تحريمه» [12] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت