فهرس الكتاب
بعد ذلك التقرير في التلازم بين العقل والنقل، يردُّ ابن تيمية على المعتزلة - ومن نحى نحوهم - الذين أحدثوا ذلك الانفصال المفتعل بين العقل والنقل، وبيَّن أنَّ النقل الصريح لا يُعارض العقل الصريح أبدًا، حيث قال: «وكثير من الناس يفهمون من القرآن ما لا يدلُّ عليه، وهو معنى فاسد، ويجعلون ذلك يعارض العقل، وقد بيَّنا في مصنَّف مفرد (درء تعارض العقل والنقل) ، وذكرنا فيه عامة ما يذكرون من العقليات في معارضة الكتاب والسُّنَّة، وبيَّنا أنَّ التعارض لا يقع إلا إذا كان ما سُمِّي معقولًا فاسدًا، وهذا هو الغالب على كلام أهل البدع، أو أن يكون ما أضيف إلى الشرع ليس منه: إمَّا حديث موضوع، وإمَّا فهمٌ فاسد من نصٍّ لا يدلُّ عليه، وإمَّا نقل إجماع باطل» [9] .
وقال أيضًا: «ما جاء به الرسول حقٌ محضٌّ يتصادق عليه صريح المعقول وصحيح المنقول، والأقوال المخالفة لذلك، وإن كان كثير من أصحابها مجتهدين مغفورًا لهم خطؤهم فلا يملكون نصرها بالأدلَّة العلمية، ولا الجواب عمَّا يقدح فيها بالأجوبة العلمية؛ فإنَّ الأدلَّة العقلية الصحيحة لا تدلّ على القول الحق، والأجوبة المفسدة لحجَّة الخصم لا تفسدها إلا إذا كانت باطلة، فإنَّ ما هو باطل لا يقوم عليه دليل صحيح، وما هو حق لا يمكن دفعه بحجة صحيحة» [10] .
وقال أيضًا: «المعقولات الصريحة موافقة لما أخبرت به الرسل لا تُناقض ذلك، ونبَّهنا في مواضع على ما يستوجب الاستغناء عن الطرق الباطلة المبتدعة، وما به يُعلم ما يوافق خبر الرسول، وبيَّنا أنَّ الطرق الصحيحة في المعقول هي مطابقة لما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم..» [11] .