فأما البداء: فإن أئمتهم لمّا أحلوا أنفسهم من شيعتهم محل الأنبياء من رعيتها في العلم فيما كان ويكون والإخبار بما يكون في غد، وقالوا لشيعتهم: إنه سيكون في غد وفي غابر الأيام كذا وكذا؛ فإن جاء ذلك الشئ على ما قالوا، قالوا لهم: ألم نعلمكم أن هذا يكون، فنحن نعلم من قبل الله عز وجل ما علمته الأنبياء، وبيننا وبين الله عز وجل مثل تلك الأسباب التي علمت بها، وإن لم يكن ذلك الشئ الذي قالوا أنه يكون على ما قالوا، قالوا لشيعتهم: بدا لله في ذلك بكونه.
وأما التقية: فإنه لمّا كثرت على أئمتهم مسائل شيعتهم في الحلال والحرام وغير ذلك من صنوف أبواب الدين، فأجابوا فيها وحفظ عنهم شيعتهم تلك الأجوبة لتقادم العهد وتفاوت الأوقات لأن مسائلهم لم ترد في يوم واحد ولا في شهر واحد، بل في سنين متباعدة وأشهر متباينة وأوقات متفرقة، فوقع في أيديهم في المسألة الواحدة عدة أجوبة مختلفة متضادة وفي مسائل مختلفة أجوبة متفقة، فلما وقفوا على ذلك منهم ردّوا إليهم هذا الإختلاف والتخليط في جواباتهم وسألوهم عنه وأنكروا عليهم فقالوا: من أين هذا الإختلاف، وكيف جاز ذلك؟
قالت لهم أئمتهم: إنما أجبنا بهذا للتقية ( [23] ) ولنا أن نجيب بما أجبنا وكيف شئنا لأن ذلك إلينا ونحن نعلم بما يصلحكم وما فيه بقاؤكم وكف عدوكم عنّا وعنكم فمتى يظهر من هؤلاء على كذب ومتى يُعرف لهم حق من باطل!
فمال إلى سليمان بن جرير هذا لهذا القول جماعة من أصحاب أبي جعفر وتركوا القول بإمامة جعفر u) ( فرق الشيعة:ص84-88، المقالات والفرق:ص77-79) .
قلت:
أما بالنسبة للمعلق ( بحر العلوم ) فينطبق علي المثل العامي: ( أراد أن يكحلها فعماها ) ، ويظهر أنه لا يملك علمًا أصلًا فضلًا أن يكون بحرًا للعلوم، فهو بدلًا من أن يدافع عن لجوء الإمام للتقية ويجد لها مبررًا معقولًا ومنطقيًا ـ إن صح ذلك ـ نراه قد أجاز للإمام اللجوء إلى التقية كيفما اتفق ومن دون مبرر أو قيود أو ضوابط.