ألا ترى أن الله تعالى كان يحتج على عباده بالرسل، فكان كل أمة لها رسول: ? إنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ ? [فاطر/24] .
ولما شاء الله تعالى أن يختم الرسالات بمحمد r جعل منهجه هو الحجة على عباده بأن جمع له بين المنهج والمعجزة، فتحدى الناس كافة على أن يأتوا بسورة مثله، وما يزال التحدي قائمًا وسيظل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وهنا تدخل الله تعالى بحفظ هذا المنهج من التغيير والتبديل لئلا تبطل حجيته في زمن من الأزمان؛ قال الله تعالى:
? إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ? [الحجر/9] ? وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ? [فصلت/41، 42] .
والقول بأن القرآن يحتاج إلى قيم يعني أن الحجة في قول الإمام لا في قول الرحمن، وأن قول الإمام أفصح من كلام الرحمن، وأن الإمام أقدر على البيان من القرآن ـ والعياذ بالله. وهذا لا يقول به مسلم عاقل.
أما قوله: ( خليفة في بلاده ) .
فيظهر أن المصنف لم يفرق بين الخليفة ( السلطان ) وبين الإمام الذي يكون قدوة لغيره ولا يلزم منه أن يكون سلطانًا.
فإن أراد بالخليفة السلطان الأعظم الذي يحكم البلاد ويسوس العباد، فهذا كلام لا يتصوره العقل، إذ كيف يكون الغائب الذي لا يرى جسمه ولا عينه أن يكون خليفة للمسلمين؟
وأما إن كان المراد أنه يخلف غيره عند غيابه، فكيف يكون الغائب خلفًا لغيره الغائب؟
وأما إن أراد أنه كان إمامًا للمسلمين، فهذا أيضًا مما لا يعقل. فإن الإمام من يتقدم الناس ويقتدى به في العبادات والطاعات، فكيف يكون إمامًا ولا يشاهده الناس ولا يعلمون خبره؟