الصفحة 137 من 243

وهذا النوع من الاستعانة ـ في الحقيقة ـ لا ينفك في الواقع عن الاستعانة باللّه ذاته، لاَنّه ينطوي على الاعتراف بأنّه هو الذي منح تلك العوامل، ذلك الاَثر، وأذن لها، وإن شاء سلبها وجرّدها منه.

فإذا استعان الزارع بعوامل طبيعية كالشمس والماء وحرث الاَرض، فقد استعان باللّه ـ في الحقيقة ـ لاَنّه تعالى هو الّذي منح هذه العوامل: القدرة على إنماء ما أودع في بطن الاَرض من بذر ومن ثمّ إنباته والوصول به إلى حدّ الكمال.

2ـ أن يستعين بإنسان حي أو ميّت أو عامل طبيعي مع الاعتقاد بأنّه مستقلّ في وجوده، أو في فعله عن اللّه، فلا شكّ أنّ ذلك الاعتقاد شرك والاستعانة به عبادة.

فإذا استعان زارع بالعوامل المذكورة وهو يعتقد بأنّها مستقلّة في تأثيرها أو أنّها مستقلّة في وجودها ومادتها كما في فعلها وقدرتها، فالاعتقاد شرك والطلب عبادة للمستعان به.

وبذلك يظهر أنّ الاستعانة المنحصرة في اللّه المنصوص عليها في قوله تعالى:"وإيّاكَ نَسْتَعينُ"هي الاستعانة بالمعونة المستقلّة النابعة من ذات المستعان به، غير المتوقّفة على شيء، فهذا هو المنحصر في اللّه تعالى، وأمّا الاستعانة بالاِنسان الذي لا يقوم بشيء إلاّ بحول اللّه وقوّته وإذنه ومشيئته، فهي غير منحصرة باللّه سبحانه، بل إنّ الحياة قائمة على هذا الاَساس ، فإنّ الحياة البشرية مليئة بالاستعانة بالاَسباب التي توَثّر وتعمل بإذن اللّه تعالى.

وعلى ذلك لا مانع من حصر الاستعانة في اللّه سبحانه بمعنى، وتجويز الاِستعانة بغيره بمعنى آخر وكم له نظير في الكتاب العزيز) ( [86] ) .

ويقول أيضًا: (إنّ النقطة الحاسمة في الموضوع تكمن في تفسير الدعاء وهل أنّ كلّ دعاء عبادة والنسبة بينهما هي التساوي؟ حتى يصح لنا أن نقول كلّ دعاء عبادة، وكلّ عبادة دعاء، أو أنّ الدعاء أعمّ من العبادة وأنّ قسمًا من الدعاء عبادة وقسمًا منه ليس كذلك؟ والكتاب العزيز يوافق الثاني لا الاَوّل، وإليك التوضيح:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت