فهرس الكتاب
وربما لم ينحتوا لهم صورًا ولا تماثيل، بل جعلوا قبورهم وأضرحتهم وبعض مقراتهم ومواضع نزولهم وإستراحتهم أماكن مقدسة، وقدموا إليها النذور والقرابين، وأتوا لها بأعمال الخضوع والطاعات، وهذه الأضرحة والمقرات والمواضع هي التي تسمى بالأوثان.) ( [44] ) .
هذا الكلام وإن كان قد قيل في أهل الجاهلية، إلاّ أن واقع المسلمين المنحرفين عن التوحيد الصحيح لا يخرج عنه، وهذه الأضرحة والمشاهد التي ما أمر الله تعالى ببنائها ولا بزيارتها بهذه الكيفية شاهد صارخ لما آلت إليه حال المسلمين من تطابق واقعهم مع حال الجاهلية السابقة.
وكما أسلفنا سابقًا فإن الغلو أساسه ناتج عن عقيدة القلب، ولا سلطان عليه لأحد غير الله تعالى، ولهذا فإن الملوك والجبابرة الذين قهروا الناس واستعبدوهم بالقوة، ما أن يزيل ملكهم وسلطانهم وقوتهم حتى يتحلل الناس من عبوديتهم.
أما الغلو في الصالحين فأساسه إيمان وإعتقاد بأن لهؤلاء الصالحين منزلة عند الله تعالى، فترى الناس يتعلقون بهم طوعًا من غير إكراه ولا قوة.
ولما كان الأنبياء وعباد الله الصالحين من أبعد الناس عن الشرك وأعظمهم معرفة لحق الله تعالى، لذا كانوا على حذر شديد في حياتهم أن لا يغالي فيهم الناس ليحولوهم إلى إله مصغر ترفع إليهم الحوائج ليكونوا واسطة بين الله تعالى وبين عباده، ولكنهم ما أن يموتوا حتى يتحولوا في أذهان الناس وتصوراتهم إلى قوة غيبية لها سلطة كاملة، أو سلطة جزئية على الكون؛ وهذا ما تسمى عند الشيعة بـ ( الولاية التكوينية للأئمة) فقد أقرها الخوميني ومن سار على دربه، وأنكرها محمد حسين فضل الله ومن لا يجنح منهم إلى ذلك الغلو الذي يعطي للأئمة منزلة وخصائص تفوق منزلة الأنبياء والرسل؛ بل يجعلونهم يشاركون الله تعالى في أخص صفاته وخصائصه في قدرته التي ليس لها حدود وفي علمه للغيب.