فالقرآن الكريم حينما كان ينزل نجوما على سيدنا محمد r كان يأمر كتاب الوحي، بكتابته على ما يتيسر لديهم من وسائل الكتابة. ثم أنه r حفاظا على القرآن الكريم وعدم إختلاطه أمر في بداية الأمر بعدم كتابة أقواله من غير القرآن لئلا يختلط الحديث بآيات القرآن. ولما زال هذا المانع إرتفع النهي وصار المسلمون يكتبون أحاديثه r .
وقد اجتهد العلماء في الجمع بين أحاديث الإذن وأحاديث المنع، فنتج عن ذلك آراء أهمها:
-"أن ذلك من منسوخ السُنَّة بالسُنَّة، أي أن المنع جاء أولًا، ثم نسخ بالإذن في الكتابة بعد ذلك، وقد قالوا إن النهي جاء أولًا خشية التباس القرآن بالسُنَّة، فلما أمن الالتباس جاء الإذن."
-أن الإذن جاء لبعض الصحابة الذين كانوا يكتبون لأنفسهم، ويؤمن عليهم الخلط بين القرآن والسُنَّة"."
( فإن قيل: إن إعجازه كاف في تمييزه عنها فلا حاجة إلى التمييز بخصوص الكتابة.
قلت: إعجازه إنما يدركه أساطين البلغاء من العرب أيام أن كانت بلاغة العرب في أوجها. وذلك في عصره r والأعصر القريبة منه.
فأما غير البلغاء منهم في هذه الأعصر - وهم الأكثرون - وجميع العرب فيما وبعد ذلك، وجميع الأعاجم والمستعربين في جميع العصور فلا يمكنهم تغييره عن السُنَّةِ، خُصُوصًا إذا لاحظنا: أن السنة القولية كلام أفصح العرب وأبلغهم، وأنها تكاد تقرب من درجة القرآن في البلاغة. ولا يستطيع أن يقف موقف المميز بينهما إلا من كان من فرسان البلاغة والبيان، وممن يشار إليهم بالبنان) ( [10] ) .
-أن النهي لم يكن مطلقًا، بل كان عن كتابة الحديث والقرآن في صحيفة واحدة، أما في صحيفتين فمأذون به.
وهناك آراء غير ذلك، لكن الذي يتضح من روايات المنع وروايات الإذن أن الإذن جاء آخرًا، فإن كان نسخٌ فهو الناسخ للمنع، وهذا الذي رواه الجمهور.