وجود هذا الكم الهائل ليس من السهولة تجاهلها، فهم حائرون في الجمع بين سلامة القرآن وبين هذه الروايات، لاسيما أن بعضها ليس فيها مطعن من جهة السند، لذلك فقد حار هؤلاء ووقعوا في تناقضات كثيرة.
فهم بين أمرين أحلاهما مر، بين القول بتحريف القرآن بما يحمله من العار في الدنيا والنار يوم القيامة، وبين كثرة الروايات، إذ الطعن فيها طعن يستوجب الطعن في أخبار الإمامية من الأساس.
ومن أمثلة هؤلاء الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطا حيث قال: ( فلابد من تنزيل تلك الأخبار، إما على النقص من الكلمات المخلوقة قبل النزول إلى السماء الدنيا، أو بعد النزول إليها قبل النزول إلى الأرض، أو على نقص المعنى في تفسيره. والذي يقوي نظر القاصر التنزيل على أن النقص بعد النزول إلى الأرض فيكون القرآن قسمين: قسم قرأه النبي r على الناس وكتبوه بينهم وقام به الإعجاز؛ وقسم أخفاه ولم يظهر عليه سوى أمير المؤمنين u ثم منه إلى باقي الأئمة الطاهرين، وهو الآن محفوظ عند صاحب الزمان جعلت فداه) ( [47] ) .
قلت: قليلا من التمعن في هذا الكلام يظهر لك العجائب:
ـ فما معنى نقص القرآن قبل النزول إلى السماء الدنيا؟
ـ ومن الذي أخبر أن هذا القرآن قبل نزوله كان مشتملا على كذا وكذا؟
ـ وما معنى أن يكتم النبي شيئا من القرآن أو التنزيل؟
ـ ثم ما معنى أن يكون الباقي محفوظا عند صاحب الزمان، وهو لن يخرج ـ على فرض وجوده ـ إلا في الأيام الأخيرة من عمر الدنيا، فما فائدته بالنسبة لنا ولمن قبلنا؟
فالشيخ آل كاشف الغطا بقي أسير الروايات، لا يستطيع أن ينفيها لكثرتها، ولا يستطيع أن يقول بأن القرآن الذي بين أيدينا محرف، وهذا إسقاط لدينه الذي يدين الله تعالى به، فتخبط ولم يوفق في التعبير والتوفيق بين المتناقضين.