فهرس الكتاب
يعتقد علماء الاجتماع أن عظمة كل شعب رهينةٌ بوجود روح عامة مشتركة تربط بين أفراده، وطالما كانت تلك الروح قوية استمرت عظمة ذلك الشعب ودامت عزّته ومَنَعَته، وكلما ضعفت تلك الروح أو تلاشت انفرط معها عقد المجتمع ومُحيت هويته من صفحة الوجود، ويكفي لإثبات ذلك المعنى أن نلقي نظرةً على تاريخ الإسلام: فتلك الجماعة القليلة من أهل البادية الذين التفُّوا حول نبيِّ الإسلام استطاعوا في مرحلة زمنية قصيرة، رغم ما كان في صدورهم من قَبْل ومِنْ أمدٍ بعيدٍ من رعب وهيبة من عظمة أكاسرة الفرس وقياصرة الروم إذْ كانوا ينظرون إليهم دائمًا بعين التعظيم والاحترام، ورغم افتقادهم لكلِّ الوسائل الماديَّة، استطاعوا بسيوفهم المكسورة التي كانوا يشدُّونها إلى خصورهم بأحزمةٍ من ألياف النخيل أن يحدثوا ثورة في حضارة العالم آنذاك وأن يأخذوا زمام أمور تينك الإمبراطوريتين العظيمتين (إمبراطورية الفرس والروم) ، وأثبتوا في النهاية بكل إجلال عظمةَ أمتهم وقومهم للعالم وأهل الدنيا، وعلة ذلك هي تلك الروح العامة المشتركة أي عقيدة «التوحيد» التي ربطت بينهم ووحَّدَتْهم وأزالت من بينهم جميع العصبيات والاختلافات وجعلتهم إخوة متحدين، رغم أنهم كانوا حتى عهد قريب يقتلون أولادهم خشية الفقر والجوع ويئدون بناتهم حيّات، ولكنهم أصبحوا في ظل تعاليم الإسلام المقدّسة يصمدون أمام أكبر شدائد الدنيا بقلوب يملؤها حبّ ذلك الدين والاعتزاز به، ولم تكن تؤثّر فيهم أية مصائب وأحزان، بل كانوا جميعًا أصحاب شهامة وشجاعة وأصحاب إيمان كامل وعزم راسخ وإرادة حديديَّة، وباختصار كانوا في كامل الوحدة والاتحاد تحت راية الإسلام متَّبعين بكل نيّة صافية وعقيدة خالصة تعاليمَ رسول الله مستسلمين لأحكام الإسلام وتشريعاته، إلى أن ارتحل حضرة صاحب المرتبة الخاتمة، ورغم بروز اختلاف حول خلافته كما ذكرنا إلا أن ذلك لم يؤد إلى تفرّق المسلمين وذهاب وحدتهم الأممية