فهرس الكتاب
وفي هذا العصر تفرّق الناس إلى شيع وأحزاب ومذاهب... وكل طائفة تَفَرّع منها فروع يصعب عدها، فقد انقسم المعتزلة إلى نحو ثلاث عشرة فرقة، والخوارج إلى نحو عشرين، والشيعة إلى نحو ثلاثين، والمرجئة إلى نحو سبع.] [1] ، وكل واحد منها كان يعتبر نفسه حامي الإسلام ومتِّبعًا للقرآن ويعتبر الآخرين ضالين أو مرتدين! وكانوا يُؤَوِّلُون آيات القرآن والأحاديث لتنطبق على أقاويلهم، وأحيانًا يضعون الأحاديث لتأييد أقاويلهم ويبثُّونها بين الناس! مع أنه لم تكن في صدر الإسلام أيٌّ من تلك العناوين والأسماء وعلى قول المرحوم الشيخ الصدوق عليه الرحمة: [كان أصحاب رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ) اثني عشر ألفًا، ثمانية آلاف من المدينة وألفان من مكة وألفان من الطلقاء، ولم يُرَ فيهم قدريٌّ ولا مرجئ ولا حروريٌّ ولا معتزليٌّ ولا صاحب رأي] [2] .
من هنا نفهم منبع الأحاديث التي تتحدَّث عن حقيقة مراتب النفس وأرباب الأنواع وغيرها من الأفكار الفلسفية المنسوبة إلى النبيّ الأكرم وإلى عليٍّ أمير المؤمنين، ولا شك أن القارئ الكريم صادف مثل هذه الأحاديث في الكتب الفلسفية والصوفية، فهي أحاديث وُضِعَت كلُّها في ذلك العصر، لأنه قبل حضرة الإمام الرضا عليه السلام لم تكن الفلسفة قد دخلت إلى عالم الإسلام بعد، ولذلك ما كان لعامَّة المسلمين أيُّ معرفةٍ بمصطلحاتها ومطالبها فضلًا عن أن يقوم النبي الأكرم أو عليٌّ أمير المؤمنين ببيان مثل تلك المصطلحات والأفكار التي ليس فيها أيّ فائدة دينيّة ولا دنيويّة، والحاصل أن الأحاديث المنسوبة إلى النبيّ الأكرم والأئمّة قبل الإمام الرضا إذا كانت تتضمن مطالب ومصطلحات فلسفية فهي بلا شك من الموضوعات المخْتَلَقة في العهد العباسي.
(1) أحمد أمين، ضحى الإسلام، ج3 /ص348.
(2) الصدوق ابن بابويه القمي، الخصال، ج 2/ص 640.