فهرس الكتاب
كل من له اطلاع بسيط على تاريخ الكنيسة يعلمُ جيدًا أن مثل هذه المباحث هي في الواقع من مسائل علم اللاهوت الخاص بالكنيسة، والتي كانت مثارًا لكثير من الجدل والقيل والقال بين قساوسة النصارى الذين كانوا طفيليين على المجتمع ولم يكن لهم عمل أو شغل فأخذوا يتناقشون في مثل هذه القضايا ويصرفون في بحثها أوقاتًا جمّةً، حتى أن بعض علماء الغرب لما عرف أنَّ ثمَّةَ فرقةً في الإسلام باسم المعتزلة بَحَثَتْ تلك المسائل حكم يقينًا بأن تلك الفرقة نشأت من النصرانية، إذْ رأى رأي العين أنها بحثت في ذات المسائل التي كانت الكنيسة تتنازع فيها، ورأى من الجهة الأخرى أن مسلمي الصدر الأول لم يتباحثوا إطلاقًا في مثل تلك القضايا. ومن الغربيين الذين قالوا بذلك الرأي الأستاذ «فون كريمر» الذي يذهب إلى [أن فرقة المعتزلة نشأت من النصرانية لأن آباء الكنائس كانوا يتجادلون في حرية الإرادة وأن الإنسان مجبور أو مختار، وبعبارة أخرى في مسألة القدر، كما كانوا يتجادلون في صفات الله وقد تسرَّبَت هذه العقائد إلى المعتزلة من طريق النصارى بعد فتح المسلمين للشام، ومن أشهر من احتكَّ بالمسلمين في ذلك العصر الأموي: «يحيى الدمشقي» و «ثيودور أبوكارا» [1] .
والحاصل أن المعتزلة علاوة على تأويلهم آيات القرآن لتنطبق على مذاهبهم وأقوالهم، وضع بعضهم أحاديثَ كثيرةً خاصّةً في باب الجبر والتفويض، نعرض عن ذكرها تجنبًا لإطالة الكلام.
5-البحث في كيفية المعراج:
هذا الموضوع أيضًا من الموضوعات التي اختلف فيها المسلمون وفرَّقتهم، كما صار في الوقت ذاته وسيلةً يُظْهر عددٌ من المتفلسفين بها فضلَهم وأصبح رأسمال حانوت جماعةٍ آخرين، وللأسف كان ذلك أيضًا من صادرات دكان خرافات تثليث الكنيسة!
(1) أحمد أمين، ضحى الإسلام، ج1/ ص 344.