فهرس الكتاب
لا بدَّ أنك سمعتَ أيها القارئ المحترم بقصَّة قساوسة مسجد «أيا صوفيا» -الذي كان في الأساس كنيسةً-: لمّا حاصر السلطان محمد الفاتح مدينة القسطنطينية (اسطنبول الحالية) ، حيث كان أولئك القسيسون، طلّابُ الدّعة والراحة، يهيمون في وادٍ آخر إذْ كانوا يبحثون عن كيفيّة عروج عيسى إلى السماء: هل عرج ببدنه العنصري أم ببدنه المثالي؟ ولم يدروا أن المسلمين أصبحوا على أبواب عاصمة مملكتهم وأنهم عن قريب سيبدّلون كنيستهم تلك ذاتها ومركز تثليثهم إلى مسجد ومحلٍّ للتوحيد!
على أيّ حال لا يظهر من أيّ تاريخ من التواريخ أن هذه المسالة كانت مدارًا للجدل في صدر الإسلام بل كان المسلمون يتقبّلون ما جاء في القرآن حول هذا الموضوع وما أخبرهم به النبي الأكرم صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ دون بحث في التفاصيل، إلى أن جاء جماعة فيما بعد وأخذوا يتعمّقون في هذه المسألة مع أنه ليس في بحثها أيّ فائدة دينية أو دنيوية، وأخذوا يجادلون فيها ويجعلونها موضوعًا لخطبهم!
وما أريد قوله أنه ما لنا ولمثل هذه القضية التي هي من خصائص صاحب المرتبة الختميَّة صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ حتى نتدخَّل فيها؟ وكيف يمكن أن نتصوَّر أن بإمكاننا أن نقف على خصوصيّات هذه القضية ونطَّلع على كيفيَّاتها مع كونها من الأحوال الشخصيّة الخاصّة بحضرة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ ؟ إن الذي لم يصل في عمره أبدًا إلى مرحلة العشق، ولا خَبَرَ له عن مزايا العشق والحبّ، هل يمكنه أن يدرك خصوصيّات ليلة وصل العاشقين مهما شرحناها له؟
فعلينا أن نعتقد بهذه المعجزة كما شهد بها القرآن وأخبرنا بها حضرة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ وما عدا ذلك فهو خارج عن حدود وظيفتنا.
وتوجد حول هذا الموضوع أحاديث عديدة يشعر بعضها بالتشبيه والتجسيم وُضِعت وتسللت إلى كتب الحديث.