فهرس الكتاب
ويظهر لك ذلك من أحوال الأخبار التي وضعها هؤلاء في المواعظ والزهد وضمّنوها أخبارًا عنهم، ونسبوا إليهم أفعالًا وأحوالًا، خارقة للعادة وكرامات لم يتفق مثلها لأولى العزم، بحيث يقطع العقل بكونها موضوعة وإن كانت كرامات الأولياء ممكنة في نفسها، ومن ذلك ما رُوِىَ عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزي أنه قيل له: مِنْ أين لك عن عكرمة، عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة، وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟؟ فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي محمد بن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبةً!.
وكان يقال لأبي عصمة، هذا، الجامع، فقال أبو حاتم بن حبان: «جمع كل شيء إلا الصدق!» .
وروى ابن حبان عن أبي مهدي قال: قلت لميسرة بن عبد ربه من أين جئت بهذه الأحاديث، من قرأ كذا فله كذا؟ فقال: وضعتها لأرغِّبَ الناس فيها! [1] ، وهكذا قيل في حديث «أبي الطويل» في فضائل سور القرآن، سورة سورة، فروى عن المؤمل، عن ابن إسماعيل قال: حدّثني شيخ به! فقلت للشيخ: من حدّثك؟ فقال: حدّثني رجل بالمدائن وهو حيّ. فصرت إليه فقلت: من حدّثك؟ فقال: حدّثني شيخ بواسط وهو حيّ. فصرت إليه فقال: حدّثني شيخ بالبصرة، فصرت إليه فقال: حدّثني شيخ بعبادان! فصرت إليه فأخذ بيدي فأدخلني فإذا فيه قوم من المتصوفة ومعهم شيخ فقال: هذا الشيخ حدثني. فقلت: يا شيخ من حدثك؟ فقال: لم يحدثني أحد ولكنا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن، فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن! وكل من أودع هذه الأحاديث تفسيرَه كالواحدي والثعلبي والزمخشري، فقد أخطأ في ذلك، ولعلّهم لم يطلعوا على وضعه، مع أن جماعة من العلماء قد نبهوا عليه.] [2] .
ثم قال بعد عدة أسطر:
(1) وانظر ما يؤيد ذلك لدى ابن حجر العسقلاني، لسان الميزان، ترجمة ميسرة بن عبد ربه. (المترجم)
(2) الشهيد الثاني، الدراية، ص 57 - 58.