فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 317

فالمتواتر: هو ما بلغ رواتُهُ من الكثرة مبلغًا تحيلُ العادةُ معه إمكان تواطئهم- أي اتفاقهم - على الكذب، واستمرّ ذلك الوصف في جميع الطبقات حيث تتعدّد. ولأجل تحقّق التواتر على نحو يصبح الحديث مفيدًا للعلم والقطع بصدوره، لا بدّ من تحقّق عدّة شروط أهمّها: أن يكون عدد الرواة في كل طبقة كثيرًا إلى درجةٍ يستحيل معها اتّفاقهم على الكذب، أي أنْ يرويَهُ جماعةٌ كُثُرٌ يحيل الإنسانُ عادةً احتمال تواطئهم على الكذب، يرووهُ مباشرةً -أي بدون وسائطَ مجهولة- عن جمٍّ غفيرٍ آخر يحقّقون أيضًا الشرط ذاته، أي استحالة اجتماعهم على الكذب، عن جماعة أخرى مماثلة حتى يصل الأمر إلى جماعة كثيرة أيضًا سمعوا الحديث مباشرة من النبي أو الإمام، بحيث أنه لو وُجد شخصٌ واحدٌ في إحدى الطبقات أو وُجدَت جماعةٌ من الأشخاص لم يتّصفوا بذلك الوصف (أي استحالة التواطؤ على الكذب) لم يكن الحديث متواترًا.

ومما يجدر ذكره في هذا الصدد أن تحقُّق هذا المعنى (أي استحالة التواطؤ على الكذب) لا ينحصر في عدد خاصّ من الرواة بل المعتبر العدد المحصّل للوصف فقد يحصل في بعض المخبرين بعشرة وأقلّ، وقد لا يحصل بمئة، بسبب قربهم إلى وصف الصدق وعدمه.

وخلاصة الأمر أن تحقق التواتر في الحديث مرتبطٌ بأن يبلغ رواتُهُ في الكثرة مبلغًا تحيل العادةُ تواطُؤَهم على الكذب وأن يستمر ذلك الوصف في جميع الطبقات حيث تتعدد فيكون أوله في هذا الوصف كآخره ووسطه كطرفيه، وبهذا -كما يقول الشهيد الثاني- [ينتفي التواتر عن كثير من الأخبار التي بلغت رواتها في زماننا ذلك الحدّ لكن لم يتفق ذلك في غير زماننا خصوصًا في الابتداء، وظنّ كونها منها من لم يتفطّن لهذا الشرط] [1] .

(1) الشهيد الثاني، البداية في الدراية، ص12-13.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت