فهرس الكتاب
وعلى كل حال إن إحراز تواتر الحديث -باستثناء موارد «ضروريّات الدين» - أمرٌ عسيرٌ للغاية بل هو من المحالات تقريبًا، لأنه بعد حصول كل تلك الثورات والتغيّرات في الإسلام خاصّة تلك المعارك المتعلّقة بالحديث، كيف يمكن أن نحرز أن رواة الحديث الفلاني مثلًا يَصِلُون في جميع طبقاتهم -أي من زمان المعصوم وحتى زماننا- إلى حدّ التواتر؟. ولهذا يقول الشهيد الثاني: [إن التواتر يتحقق في أصول الشرائع كوجوب الصلاة اليومية وأعداد ركعاتها والزكاة والحج تحقّقًا كثيرًا وفي الحقيقة مرجع إثبات تواترها إلى المعنوي لا اللفظي...وتحقّقه (أي التواتر) قليلٌ في الأحاديث الخاصة المنقولة بالألفاظ المخصوصة لعدم اتفاق الطرفين والوسط فيها وإن تواتر مدلولها في بعض الموارد كالأخبار الدالّة على شجاعة عليٍّ عليه السلام وكرم حاتم ونظائرهما] [1] .
إذن أصبح معلومًا مما ذُكر أنه لا توجد أخبارٌ حول تعاليم الإسلام يمكن القول على نحو اليقين أنها متواترة سوى ضروريات الدِّين، والمتواتر من بين الأحاديث التي بين أيدينا، لاسيما المتواتر اللفظي، في غاية الندرة، ويوجد عدد من الأحاديث التي تتعلّق بمسائل الدِّين الضرورية متواترةً تواترًا معنويًا.
وللأسف لقد وقع اشتباه عجيب في هذه المسألة كما وقع في مسألة «ضروريات الدين» وسائر المسائل الدينية! فكما أن عديمي العقل يعتبرون كلَّ أمر شائع مشهور، ولو لم يكن له أصل بل كان مجرَّد خرافة، من ضروريات الدِّين، ويعتبرون منكره كافرًا، كذلك كلَّما رؤوا حديثًا منتشرًا في عدد من الكتب (خاصة الكتب المطبوعة) أو سمعوا عددًا من الأفراد يروونه ويتناقلونه، اعتبروه دون تأمّل من الأحاديث المتواترة!!!
(1) الشهيد الثاني، البداية في الدراية، ص14.