فهرس الكتاب
وقد صرَّح بعض حكماء الغرب، بما لا يختلف فيه عاقلان في الأرض، من أن التفكُّر هو مبدأ ارتقاء البشر، وبقدر جودته يكون تفاضلهم فيه، وقد كانت التقاليد الدينية حَجَرَتْ حُرِّيَّة التفكير واستقلال العقل على البشر، حتى جاء الإسلام فأبطل بكتابه هذا الحَجْرَ، وأعتقهم من هذا الرقّ، وقد تعلَّم هذه الحريَّةَ أممُ الغرب من المسلمين ثم نكس هؤلاء المسلمون على رؤوسهم فحَرَّمُوها على أنفسهم، حتى عاد بعضهم يقلِّدون فيها من أخذوها عن أجدادهم] [1] .
فيا أمَّة الإسلام هذا هو دينُكِ! هذا هو الدين الذي تنسبين نفسكِ إليه منذ سنوات طويلة ولكنكِ لم تتمكني من استخدام قواك العقلية في أي موضوع بل أبقيتِ رأس مال قواكِ العقلية في ركود وتوقف!
وأنت أيها المسلم! لا يجوز أن تكون مهملًا لعقلكَ وفكركَ إلى هذا الحدّ وأن تقلّد والديكَ في آداب الدِّين تقليدًا أعمى يجعلك عندما تصادف ولو شبهة صغيرة، أو تغيِّر بيئتك، متزلزل الإيمان بل قد تخسر أساس دينك وتعاليم شريعتكَ!
يا أخي! إن كنت مسلمًا حقيقةً فلا يليق بمقامك مثل هذا الجمود الفكري! وتأكَّد من أن روح النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيه وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، ذاك الناطق بالحقِّ الذي ينادينا ربُّه في قرآنه المجيد فيقول: { وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [آل عمران:139] ، تتألَّم من وضعك المذلّ هذا!.
أنا على يقين أنكَ لو كنتَ قد أسْلَمْتَ بذلك الطريق الذي عيَّنه القرآن أي اعتنقتَ الإسلام بفضل إرشاد العقل وفي ظل التعقل والتفكر، لامتلكت بلا أي شبهة -كما وعد الله تعالى في تلك الآية الأخيرة- مقام العلوّ والعزَّة والرفعة، ولكن يا للأسف كان مرشدك للدين أمورٌ أخرى أو أشخاصٌ آخرون هم أضل منك بكثير وأعجز من أن يديروا حتى بيوتهم!
الإسْلامُ دِيْنُ الوَسَطِيَّة
(1) محمد رشيد رضا، الوحي المحمَّدي، ص 111.