فهرس الكتاب
ليت أفراد الأمة الإسلامية الحاليين كانوا كسائر أمم الدنيا أصحاب منهج واحد إما الإفراط أو التفريط المحض لأنهم بذلك كانوا يحفظون وحدتهم الاجتماعية على الأقل! ولكن للأسف لقد غزاهم عفريت الجهل والتعصّب وجعلهم متفرّقين مبتعدين جميعًا عن حد الاعتدال الإنساني وسلكت كل جماعة منهم طريقًا خطرًا دون أن تشعر: فجماعة جعلت كل اهتمامها إعمار الدنيا والرقي المادي وانصرفت بشكل كامل عن المعنويات وعن الآخرة وكأنها ستعيش إلى الأبد وكأن الالتزام بطقوسها الدينية وما فيها من تزكية للنفس وتطهير للروح وإصلاح للأخلاق سيسوّد معيشتها، ومع ذلك لا تزال تعتبر نفسها مسلمة؛ وجماعات أخرى أساءت فهم حديث «الدنيا سجن المؤمن» فرأت أن الدنيا يجب أن تكون كالسجن للمؤمنين لا يجوز لهم الخلاص منه لذا يجب عليهم أن يحبسوا أنفسهم في حياة منحطة مبنية على النفور من الحياة والبطالة والجوع معتبرة أن تحمّل كل هذه المصائب والانحطاط عبادةٌ يؤجرون عليها! وأن هذا هو طريق الوصول إلى الآخرة، فهذا النمط أيضًا يعتبر نفسه مسلمًا! بل إن بعض دعاة الدِّين -الذين يعتبرون أن فهمَ حقائق الدِّين مختصٌّ بهم- يعتبرون الإسلام مناقضًا للرقيّ والتمدّن وللسعي، ومخالفًا لجميع شؤون الحياة الإنسانية ويرونه علنًا دين رهبانية وفلسفة ورياضات روحية ويدعون الناس باسمه دائمًا إلى الكسل والخمول والوساخة والفقر وجمود الفكر والذلّة؛ وخاصة إلى الغفلة والجهل فيسوقون الناس بذلك نحو الشقاء، وباختصار يفسرون هذه الشريعة المطهرة على نحو يرى أن الأشخاص المغالين في الزهد هم فقط الأتباع الحقيقيون لهذا الدين، في حين توجد جماعات أخرى تزداد يومًا بعد يوم تجد نفسها متأثرة من غربة الإسلام فتدَّعي كل يوم أن الإسلام يتفق في جميع شؤونه مع الحضارة الغربية الكاذبة، وتسعى على الدوام إلى مطابقة أحكام الإسلام المتينة مع كل نظرية جديدة غربيّة يخرج بها جاهل في «بلاد الغرب» ، حتى