فهرس الكتاب
لا يخفى على أحد أن التفكير بالعاقبة والمآل والتفريق بين الحق والباطل والتمييز بين الخير والشرّ وبين الحَسَن والقبيح بطريق العقل والعلم من الخصائص التي تميِّز الإنسان عن سائر الحيوانات، وفي الوقت ذاته تُعتَبَر من العوامل المهمّة للرقيّ الماديّ والمعنويّ للإنسان، ومن الواضح أن القيام بتلك الأمور مرتبطٌ بإعمال العقل واستخدام قِوَاه، ولكن ينبغي أن نعلم أن أكثر ما يحجز قوى العقل عن العمل ويحفظها بحالة ركود وتوقف، وفي النهاية يسلب من الإنسان تلك المزايا الإنسانية هو مرض «التقليد الأعمى والتعصب الجاهل» ، ذلك أنَّ الذين يقلِّدون عقائد وأخلاق وأعمال الآخرين في حياتهم تقليدًا أعمى ويتَّكِئون في جميع شؤون حياتهم المادية والمعنوية على غيرهم ولا يتخيّلون وجود حقيقة في الدنيا خارج عادات وتقاليد أسلافهم أو أقرانهم، ويقضون على حسّ المحاكمة وقوة التمييز لديهم، ظانين أن سلوك الناس المعاصرين واعتقاداتهم هي ملاك صحة كل شيء، مثل هؤلاء لا يحتاجون إلا قليلًا إلى قواهم العقلية لأنهم لا يعتمدون أساسًا على أنفسهم حتى يُعمِلوا النظر في شؤون حياتهم، كما أن الناس الذين يراوحون مكانهم بسبب تعصّبهم وغرورهم لا يهتمون بكل ما يجري في الدنيا حولهم لأنهم يقتصرون على الأخلاق التي ورثوها عن آبائهم أو التي انتقلت إليهم عن طريق تأثير البيئة والتربية الأُسَرِيَّة، فلا يرون أي مزيّة للآخرين، مثل هؤلاء الناس لن يشعروا في حياتهم بأيِّ حاجةٍ إلى إعمال قواهم العقلية بسبب ضعف نفوسهم واقتصارهم على المحافظة على عادات آبائهم وعقائدهم القديمة.