فهرس الكتاب
إذن تبين أن أكبر آفة من آفات العقل الإنساني وأهم عامل يُبعد الإنسان عن مراحل الإنسانية هو «التقليد الأعمى والتعصُّب الجاهل» ، كما توصل علماء الاجتماع بعد تتبُّع كثير إلى قاعدة كلّيّة تقول: [إن قوة درجة روح التقليد تتناسب عكسًا مع قوة العقل والإرادة] ، فمثلًا الحيوانات، لا سيما تلك التي تشبه الإنسان كـ «الشامبانزي» و «الغوريلا» ، رغم أنها تعيش حياةً اجتماعيةً بصورة قطعان كقطعان الخرفان والغزلان... هي في المرتبة الأولى من ناحية التقليد والجمود، ويأتي بعدها في الدرجة القبائل المتوحشة، ثم يأتي في الدرجة الثالثة الأطفال والنساء والرجال عصبيو المزاج وضعيفو النفس [1] . إلى أن يصل الأمر إلى الإنسان الراقي الذي يسيطر عقلُه على عواطفه وتكون روح التقليد الأعمى والجمود الفكري لديه ضعيفةً جدًا ويحكمه بدلًا من ذلك ناموس الاقتباس (أي التقليد العاقل والواعي) الذي يُعتبر من أول علامات اكتمال العقل ومن أهم وسائل الرقي والتطور كما يقول القرآن الكريم: { فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ } [الزمر:17-18] ، فهذا المعنى يشير إلى كمال قوة العقل وأن أصحاب العقل هم فقط الأشخاص الذين يحكمهم ناموس الاقتباس الواعي، أي لا يقتصرون في انتباههم إلى ما حولهم على عادات وتقاليد آبائهم وأجدادهم تعصبًا وجمودًا على وضعهم، كما لا يجعلون قلوبهم محلًا ينعكس فيه كل شيء مهما كان منحطًا أو سيئًا، بل يفتحون أعينهم وآذانهم تجاه كل الحركات والأصوات في الدنيا فما يجدونه حسنًا وصالحًا يختارونه بكل تعقل وفهم ثم يتِّبِعونه.
(1) علم الاجتماع، ج1/ص92-96.