فهرس الكتاب
في الحقيقة تركنا جانبًا جميع آيات الأخلاق الفردية والاجتماعية في القرآن الكريم، ولم يكن لدينا إلا هذه الآية القصيرة الأخيرة لكانت وحدها كافية لتحقيق سعادة أفراد البشر المادية والمعنوية، لأننا لو لاحظنا بدقة تاريخ تمدّن الإنسان لرأينا أن جميع أنواع الرقيّ الماديّ والمعنوي لعالم اليوم مرتبطة بمفاد ذلك الأمر المقدّس الذي تأمرنا به تلك الآية. فهذا التعليم من أهم تعاليم الرقيّ بمستوى العيش ومن أفضل طرق تربية الأفكار، إنه تعليم ينقذنا من التقليد الأعمى والعصبية الجاهلة التي هي سبب كل انحطاط وشقاء ومصدر كثير من الآلام والنكبات وفي الوقت ذاته يعلّمنا الطريق المستقيم للاقتباس الصالح الذي هو أقصر الطرق لنيل السعادة الفردية والاجتماعية.
وبكلمة واحدة، لما كان الإسلام يريد إحداث ثورة فكرية في أعماق روح البشر ينتشلهم من خلالها من حالة الجمود وفقدان الحسّ ويضعهم فيها أقدامهم على جادّة الرقيّ والكمال، ولما كان هدف الإسلام وصول البشر إلى الكمال وهداية عقولهم إلى الكمالات المادية والمعنوية بتحريرها من القيود التي تكبّل حريتها، وكما يقول «جوستاف لوبون» : [لقد أراد الإسلام إيجاد حضارة جديدة في العالم من خلال ثورة فكرية ومعنوية شاملة] ، وفي النهاية لما كان الإسلام يأخذ على عاتقه مهمة تأمين الخير والسعادة لكافة طبقات البشر إلى الأبد، فإنَّه اهتمَّ بكل جدّيّةٍ بهدم أسس التقليد الأعمى والعصبيّة الجاهليّة التي هي أكبر سدّ أمام سعادة البشر، وقد جاءت في ذلك - إضافة إلى هذه الآية وأمثالها من الآيات التي تتكلّم عن فضيلة العلم وحريّة التفكير-، آياتٌ عديدةٌ أخرى تذمُّ التقليدَ الأعمى والتعصُّب الجاهل كقوله تعالى:
{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ } [البقرة:170] ،