فهرس الكتاب
كانوا موزّعين في أطراف الأرض، وكان كلٌّ منهم يحفظ من الأحاديث ما لا يحفظه غيره، فكيف يمكن للخلفاء أن يجمعوا كل أولئك الأفراد في مكان واحد ويستمعوا منهم جميع الأحاديث التي كانوا يحفظونها ثم يدوِّنوها في كتاب جامع واحد؟! ولو فرضنا أن الخلفاء كانوا يستطيعون فعل ذلك، فإن بقية الصحابة الذين كان أغلبهم أمِّيًَّا وكانوا يكتفون - في حفظ ما يعرفونه - بالاعتماد على ذاكرتهم، يبدو من البعيد جداًَ أن يتمكّنوا من إحصاء كلّ ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فَعَله في مدة ثلاثةٍ وعشرين عامًا من بدء الوحي إلى الوفاة [1] .
وباختصار لم يتم في القرن الهجري الأول جمع وتدوين الحديث بشكل رسمي منظَّم، وإذا قام بعضهم أحيانًا بالتدوين، كان ما دوّنه أشبه بمذكّرات خاصّة به، لذا كان باب وضع الحديث مفتوحًا أمام الوضّاعين لأن الحديث لم يكن قد جُمِعَ ودُوّن بعد ولأن الحديث كان له أهمية بالغة يتلو بها مرتبة القرآن، وكان في النهاية مرجع المسلمين في جميع شؤونهم، لذا لما كان بعض الناس لا يجدون حديثًا يؤيّد مواقفهم في جميع اختلافاتهم السياسية والدينية والعلمية وجميع الخصومات الشخصية وغيرها كانوا يضعون الحديث لنصرة موقفهم أو مذهبهم، ولم يكن من السهل الانتباه إلى هذا الدسّ لأن الحديث كما قلنا لم يكن قد جُمِعَ ودُوّن وضُبط بعد، وزاد الطين بِلَّة أنه لما دخل في الإسلام أعدادٌ كثيرةٌ من شعوب البلدان المجاورة لبلاد العرب كالفرس والروم والبربر وأهل مصر والشام وغيرهم على إثر الفتوحات الإسلامية وعزّ على طوائف منهم أن يتخلَّوْا عن عاداتهم وتقاليدهم القديمة المألوفة، توسّلوا إلى حفظ عاداتهم وتقاليدهم بوضع أحاديث ودسّ أخبار في هذا الصدد ونَشْرِها بين الناس.
(1) انظر أحمد أمين، فجر الإسلام، ص 265.