فهرس الكتاب
إن أول ما يلفت النظر في هذه الآية أن الله تعالى خص النفاق بعد الأعراب في أهل المدينة، وهذا يدل على أن المهاجرين من مكة إلى المدينة ليس فيهم منافق. وقد قلنا أن أسباب النفاق لم ينجم إلا في المدينة بعد أن صار للمسلمين قوة ودولة.
في قوله تعالى: { لا تعلمهم } : هل كان الرسول r لا يعلم المنافقين؟
الإجابة على هذا السؤال يتطلب منا البحث في بعض الآيات الأخرى التي تخص المنافقين، كقوله تعالى: { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ } [محمد: 29-30] .
يقول الشيخ مكارم الشيرازي: ( تشير هذه الآيات إلى جانب آخر في صفات المنافقين وعلاماتهم، وتؤكّد بالخصوص على أنّهم يظنّون أنّ باستطاعتهم أن يخفوا واقعهم وصورتهم الحقيقية عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين دائمًا، وأن ينقذوا أنفسهم بذلك من الفضيحة الكبرى، فتقول أوّلًا: { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ } [محمد/29] ).
«الأضغان» جمع ضِغْن، وهو الحقد الشديد. . . إنّ الإنسان لا يستطيع عادةً أن يكتم ما ينطوي عليه ضميره لمدة طويلة دون أن يظهر ذلك في كنايات كلامه وإشاراته ولحنه، ولذلك نقرأ في حديث عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) : «ما أضمر أحد شيئًا إلاّ ظهر في فلتات لسانه، وصفحات وجهه» .
وقد ذكرت آيات القرآن الأُخرى كلمات المنافقين الجارحة، والتي هي مصداق للحن القول هذا، أو حركاتهم المشبوهة، ولعلّه لهذا السبب قال بعض المفسّرين: إنّ النّبي ( صلى الله عليه وآله وسلم) كان يعرف المنافقين جيدًا، من خلال علاماتهم، بعد نزول هذه الآية.