فهرس الكتاب
وهذا هو الذي جعل لهم الميزة على المسلمين الآخرين، لأنهم آمنوا في المواقع الصعبة للإيمان، وتحملوا الكثير من التضحيات في سبيل الله، وكان واقعهم واقعٍ البؤس المادي، لأنهم لم يستطيعوا أن يحملوا معهم شيئًا من مواقع بلدانهم. فكان النبيr يوحي إلى المسلمين من الأنصار أن يجعلوا لهم بعض الميزة في العطاء، بالرغم من أن التشريع لا يميزهم عن غيرهم، ولكن المسألة تخضع للظروف الطارئة في التمييز الطارىء.
وهكذا ميّز الرسول المهاجرين على الأنصار في الأموال التي حصل عليها من بني النضير، فقد جاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله r يوم بني النضير للأنصار: إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم، وتشاركونهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة، فقال الأنصار: بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها.
وهكذا نرى من خلال حديث ابن عباس أن الرسول كان يريد أن يحل مشكلة هؤلاء المهاجرين، ويوحي إلى الأنصار بمسؤوليتهم عنهم، بمقاسمتهم أموالهم وديارهم، أو بالتنازل لهم عن حصتهم في الفيء، ما يوحي بمسؤولية كل جيل مسلم عن رعاية جيل الطليعة الإسلامية التي ساهمت في انطلاق الحركة وفي تثبيت القاعدة وامتداد الخط. فكان الأنصار في مستوى المسؤولية، بحيث أعلنوا عن استعدادهم للمشاركة لهم في أموالهم وديارهم وعن تنازلهم لهم عن حصتهم في الفيء، وذلك من خلال وعيهم للدور الكبير الذي قام به هؤلاء المهاجرون لمصلحة الإسلام والمسلمين، مما جعلهم يشعرون لهم بما يشبه الاعتراف بالجميل. وهذا ما أكده القرآن في حديثه عن الأنصار في مشاعرهم الروحية وفي ممارساتهم العملية تجاه المهاجرين) ( [109] ) .