فهرس الكتاب
عندما يقول أهل السنة والجماعة أن الصحابة كلهم عدول، ليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصي أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم. وإنما أرادوا أنهم لا يتعمدون كَذِبًا على رسول الله r حتى الذين حُدُّوا فِي حَدٍّ أو اقترفوا إِثْمًا تابوا أو لابسوا الفتن والحروب ما كانوا ليتعمدوا الكذب على رسول الله r، ومِمَّا ينبغي أن يعلم أن الذين قارفوا إِثْمًا ثم حُدُّوا هُمْ قلة نادرة جِدًّا لا ينبغي أن يغلب شأنهم وحالهم على حال الألوف المُؤَلَّفَةِ من الصحابة الذين ثبتوا على الجادة والصراط المستقيم، وجانبوا المآثم والمعاصي ما كبر منها وما صغر، وما ظهر وما بطن، والتاريخ الصادق أكبر شاهد على هذا.
وهؤلاء الذين اتخذهم الطاعنون في عدالة الصحابة ذريعة لطعنهم. بعضهم لا تعرف له رواية وبعضهم لم يعرف له إِلاَّ الحديث والحديثان والثلاثة، ومروياتهم معروفة وثابته من رواية غيرهم، فلا يتوقف على رواياتهم شيء من أصول الدين وفروعه، مِمَّا يجعل الباحث المُتَثَبِّتَ مُطْمَئِنًّا إلى ما ذهب إليه جمهور العلماء في عدالة الصحابة، وليس أدل على هذا من أنَّ بُسْرَ بْنَ أَرْطَاةَ - وهو مختلف في صحبته - الذي عرض له الشيخ المقبلي والسيد محمد رشيد رضا في كلاميهما ليس له إِلاَّ حديث في"سنن أبي داود"في عدم قطع الأيدي في السفر، وحديث آخر في الدعاء، ففي"صحيح ابن حبان"أنه سمع النَّبِيَّ r يقول: «اللَّهُمَّ أَحْسِنْ عَاقِبَتَنَا فِي الأُمُورِ كُلِّهَا وَأَجِرْنَا مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا، وَعَذَابِ الآخِرَةِ» .
ونحن الذين نقول بعدالته إنما أردنا في الرواية، وأما ملابسته للحروب والفتن، وانحيازه لمعاوية فهو أمور اجتهادية، وهي لا تخل بهذه العدالة، والله يغفر لنا ولهم، ويرحم الله القائل: «إِنَّ هَذِهِ دِمَاءٌ طَهَّرَ اللهُ مِنْهَا سُيُوفَنَا، فَلْنُطَهِّرْ مِنْهَا أَلْسِنَتَنَا» ( [118] ) .