فهرس الكتاب
من العجائب وأعظم المصائب على هؤلاء المخذولين أن يثبتوا مثل هذا الأصل العظيم بمثل هذا الحديث الذي لا يوجد في شئ من دواوين أهل الحديث التي يعتمدون عليها لا هو في الصحاح ولا السنن ولا المساند ولا الفوائد ولا غير ذلك مما يتناقله أهل العلم بالحديث ويتداولونه بينهم ولا هو عندهم لا صحيح ولا حسن ولا ضعيف بل هو أخس من ذلك وهو من أظهر الموضوعات كذبا فإنه خلاف المعلوم المتواتر من سنة رسول الله r).
والذي أوقعهم في الوهم هو أن هناك من الأحاديث النبوية وصفت بعض أصحاب المعاصي بالكفر، أو نفت عنهم اسم الإيمان، أو أخبرت باستحقاقهم الخلود في النار، ففهم البعض أنها تشهد على أصحابها بالكفر، وأن هذا الكفر هو الكفر الأكبر المخرج من الملة، فكفَّروا بفهمهم المغلوط عموم المسلمين، أو من قيل في حقه مثل هذه الأحاديث، دون مراعاة المعنى المراد من اللفظ، ودون مراعاة موانع التكفير.
فالقاتل لأخيه المسلم سماه القرآن أخًا للمقتول، في قوله: { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ } [البقرة/178] ، وكذا اعتبر الطائفتين المقتتلتين من المؤمنين فقال: { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا } (الحجرات: 9) .
وعليه فقوله r: ( لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض) ، وقوله ( سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر ) . على غير ظاهره، وينصرف فيه لفظ الكفر إلى الكفر الأصغر الذي لا يخرج من الملة.
ومثله في قوله r عن آتي الكاهن أو العراف غير المصدق له: ( من أتى عرافًا فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة أربعين يومًا ) ، فهو يفيد إسلام من أتى العراف - غير المصدق له -، بدليل قبول صلواته بعد الأربعين يومًا، ويحمل حديث تكفير آتي الكاهن على الكفر الأصغر جمعًا بين الحديثين.