الصفحة 167 من 197

من العجائب وأعظم المصائب على هؤلاء المخذولين أن يثبتوا مثل هذا الأصل العظيم بمثل هذا الحديث الذي لا يوجد في شئ من دواوين أهل الحديث التي يعتمدون عليها لا هو في الصحاح ولا السنن ولا المساند ولا الفوائد ولا غير ذلك مما يتناقله أهل العلم بالحديث ويتداولونه بينهم ولا هو عندهم لا صحيح ولا حسن ولا ضعيف بل هو أخس من ذلك وهو من أظهر الموضوعات كذبا فإنه خلاف المعلوم المتواتر من سنة رسول الله r).

والذي أوقعهم في الوهم هو أن هناك من الأحاديث النبوية وصفت بعض أصحاب المعاصي بالكفر، أو نفت عنهم اسم الإيمان، أو أخبرت باستحقاقهم الخلود في النار، ففهم البعض أنها تشهد على أصحابها بالكفر، وأن هذا الكفر هو الكفر الأكبر المخرج من الملة، فكفَّروا بفهمهم المغلوط عموم المسلمين، أو من قيل في حقه مثل هذه الأحاديث، دون مراعاة المعنى المراد من اللفظ، ودون مراعاة موانع التكفير.

فالقاتل لأخيه المسلم سماه القرآن أخًا للمقتول، في قوله: { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ } [البقرة/178] ، وكذا اعتبر الطائفتين المقتتلتين من المؤمنين فقال: { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا } (الحجرات: 9) .

وعليه فقوله r: ( لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض) ، وقوله ( سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر ) . على غير ظاهره، وينصرف فيه لفظ الكفر إلى الكفر الأصغر الذي لا يخرج من الملة.

ومثله في قوله r عن آتي الكاهن أو العراف غير المصدق له: ( من أتى عرافًا فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة أربعين يومًا ) ، فهو يفيد إسلام من أتى العراف - غير المصدق له -، بدليل قبول صلواته بعد الأربعين يومًا، ويحمل حديث تكفير آتي الكاهن على الكفر الأصغر جمعًا بين الحديثين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت