الصفحة 184 من 197

وعلى هذا: فإذا ورد على لسان أحد من الصحابة نفى ما رواه نظيره، أو قوله في مثيله: كذب فلان ... ، أو نحو هذا من العبارات، فالمراد به أنه أخطأ أو نسى؛ لأن الكذب عند أهل السنة هو الإخبار عن الشئ بخلاف ما هو عليه عمدًا أو نسيانًا أو خطأ، ولكن الإثم يختص بالعامد، كما جاء في الحديث:"من كذب علىَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" ( [163] ) .

على أن أئمة الحديث وإن قالوا برفع الإثم عن المخطئ، والناسى، والغالط، فقد جعلوا ما ألحق بالحديث غلطًا، أو سهوًا، أو خطأً، من قبيل الشبيه بالموضوع في كونه كذبًا في نسبته إلى الرسول r، ولا تحل روايته إلا مقرونًا ببيان أمره ( [164] ) .

وأما قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } [الحجرات: 6] . فليس فيها الأمر بعدم قبول خبر الفاسق. بل أمر بالتبين والتثبت، فإن كان لخبره قرائن تدل على صدقه قبلناه، وإلا فليس في الآية وجوب قبوله أو رده. كما أن الآية لا تدل على أن خبر العدل مقبول إلا بعد التحرز من جملة أمور، منها: أن لا يكون سيّء الحفظ ولا فاحش الغلط ولا مخالفًا للثقات ولا كثير الأوهام ولا مغفّلًا، عالمًا بمعنى ما يرويه وبما يحيل المعنى عن المراد إن روى المعنى.

وأيضا فإن الآية ليس فيها وصف الفاسق بالكاذب، إذ لو كان المراد بالفسق هنا هو الكذب، لأمر الله تعالى نبيه بعدم تصديقه ورد خبره، لا الأمر بالتبيين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت