ربما يقال هنا: إن أول البشر كان نبيا فكان على الدين الصحيح المرضي عند الله تعالى، فكيف إنحرفت الأجيال بعده، ومن أين دخل الزيغ والإعوجاج على الأبناء حتى مالوا عن دين الآباء؟
والجواب: إن من طبيعة بني آدم أن تتجاذبه الغفلة أحيانا، والشهوة أحيانا أخرى، وفي كلا الحالتين، ولوجود العدو الدائم المتمثل في إبليس وجنوده الذين يزينون لبني آدم عمله فيراه حسنا بعقله ومعقوله، يخرج من الدين الذي هو عليه، ولأن الإنسان ميّال إلى التحلل من القيود والأوامر المفروضة عليه من الخارج. وبما أن الدين الحق يفرض على صاحبه قيودا تجاه ربه، وتجاه نفسه، وتجاه الآخرين، فتراه يميل إلى الدين الذي يتماشى مع هوى نفسه ورغباتها، وبتزيين الشيطان له؛ يرى أنه على الدين الصحيح، قال الله تعالى: ] قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [[الكهف: 103 ، 104]
حان في علم الله تعالى ختم الأنبياء والرسل بنبينا محمد r لأنه علم أن البشرية قد بلغت من الرشد والوعي، أصبحت معها قادرة على حفظ شريعة النبي الخاتم وعلى تحمل أعباء نقلها إلى من يليهم. وإلاّ فإن الله تعالى لطيف بعباده، رحيم بهم، بل أرحم بهم من أنفسهم، ما كان يتركهم من غير لطف، ولمد في عمر رسوله محمد r كما مد في عمر نوح، حتى يتم حجة الله علينا وعلى الناس جميعا.
لم يخرج نبينا محمد r من الدنيا إلاّ بعد أن أكمل الله تعالى له الدين، وأتم الحجة على الناس، قال تعالى: ٍ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة/3] . وقال رسول الله r: ( تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك) ( [3] ) .