الصفحة 74 من 197

وأما التقية: فإنه لمّا كثرت على أئمتهم مسائل شيعتهم في الحلال والحرام وغير ذلك من صنوف أبواب الدين، فأجابوا فيها وحفظ عنهم شيعتهم تلك الأجوبة لتقادم العهد وتفاوت الأوقات لأن مسائلهم لم ترد في يوم واحد ولا في شهر واحد، بل في سنين متباعدة وأشهر متباينة وأوقات متفرقة، فوقع في أيديهم في المسألة الواحدة عدة أجوبة مختلفة متضادة وفي مسائل مختلفة أجوبة متفقة، فلما وقفوا على ذلك منهم ردّوا إليهم هذا الإختلاف والتخليط في جواباتهم وسألوهم عنه وأنكروا عليهم فقالوا: من أين هذا الإختلاف، وكيف جاز ذلك؟

قالت لهم أئمتهم: إنما أجبنا بهذا للتقية ولنا أن نجيب بما أجبنا وكيف شئنا لأن ذلك إلينا ونحن نعلم بما يصلحكم وما فيه بقاؤكم وكف عدوكم عنّا وعنكم فمتى يظهر من هؤلاء على كذب ومتى يُعرف لهم حق من باطل!) ( [63] ) .

ولعل هذا القول الذي سننقله من آية الله علي السيستاني يكشف ما نذهب إليه، يقول السيستاني: ( إن الملاحظ في الروايات الصادرة عنهم عليهم السلام عدم التقية في مجال الأصول العقائدية الخاصة بالمذهب، فنرى الروايات كثيرة في العصمة، وعلم الغيب، والمعاجز، والفضائل، والمطاعن على الآخرين، لا تقية ولا خوف أصلا. وكذلك في الفروع الواقعية محل النزاع الشديد كالمتعة، والمسح على الخفين، والعول والتعصيب، فإن الأحاديث صدرت فيها بلا تقية أصلا، بل ألفت فيها الكتب، أمثال اعلام الشيخ المفيد، والإنتصار للسيد المرتضى. فإذا كانت هذه الموارد الحساسة التي يختص بها المذهب دون غيره من المذاهب لا يتقي فيها الأئمة أحدا، مع إنها مورد النزاع فكيف بالموارد الجانبية كبعض الوضوء، وأحكام الشك والسهو تكون صادرة على نحو التقية مع إنها محل الخلاف حتى بين العامة أنفسهم، فمن لا يتقي في أصول الفكر ومهمات المسائل، كيف يتقي في المسائل الفرعية الجانبية؟) ( [64] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت