فهرس الكتاب
وقد يقول قائل: إن الله تعالى ربما يرضى عن الشخص حال قيامه بالفعل، ثم يكون قد سخط عليه بعد ذلك.
فيقال له: هب أن ما قلته صحيحًا، ولكن لماذا أنزل الله تعالى آية أثبت فيها رضاه عنه، ثم لم يُنزل آية تنسخ رضاه عنه؟
كما فعل الله تعالى مع بلعم بن باعوراء الذي قال فيه: ? وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ ( [102] ) مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ? (الأعراف: 175) .
فكيف السبيل إلى إثبات عكس ما مثبت في القرآن الكريم؟!
إن الله تعالى عالم غيب السموات والأرض، يعلم ما يكون وما لا يكون؛ لا يثبت أمرًا في كتابه ثم يكون الأمر على غير ما أثبته.
خذ مثالًا على ذلك:
يذكر سيدنا علي في نهج البلاغة، أن إبليس كان قد عبد الله تعالى ستة آلاف سنة قبل أن يخلق الله آدم عليه السلام؛ فلما كان منه ما كان من إباء السجود لآدم ومعصية الخالق، مقته الله وغضب عليه ولعنه.
فمع طول عبادته وتبتله بحيث كان في مصاف الملائكة؛ ولكن لمّا كان الله يعلم عاقبة أمره ويعلم ما يكون منه من عصيان؛ لم يمدحه ولا في ربع آية، وهذا القرآن الكريم من أوله إلى آخره لا يوجد فيه شيء من ذلك.
وهكذا الحال مع أصحاب نبينا الكريم محمد r من المهاجرين والأنصار، فقد علم الله ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم وما يكون عليه أمرهم بعد النبي عليه السلام، فرضي عنهم ووعدهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، وأثبت رضاه عنهم في آيات كثيرة خالدة تتلى إلى يوم القيامة.
بل لم يكتفِ المولى عز وجل برضاه عنهم، بل رضي عن التابعين لهم بإحسان ومن مشى على نهجهم وسلك طريقهم؛ مع علمه سبحانه وتعالى عمّا يؤول إليه أمرهم بعد وفاة نبيهم r.
وأيضًا فقد وصف الله تعالى المهاجرين بالصادقين، ثم أمر المسلمين بأن يكونوا مع الصادقين، أي مع المهاجرين الذين هم أصدق الناس مع الله ومع رسوله r.