الصفحة 133 من 183

إذا ميّز الله تعالى أحدًا من عباده على غيره، فهو الحكم العدل الذي لا يٌخاف منه هضمًا ولا ظلمًا؛ فمعنى هذا أنه إستحق هذا التكريم عن جدارة وإستحقاق، وإلاّ فإن الله تعالى لا يحابي أحدًا على حساب أحد. وهو القائل في حق السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار: ? لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ? (الحديد:10) .

وهذا كقوله تعالى: ? لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ? (20الحشر: ) .

فإذا كان من المستحيل أن يستوي أصحاب النار مع أصحاب الجنة، فكذلك لا يستوي السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار مع مَنْ جاء من بعدهم كائنًا من كان.

وليس ذلك إلاّ لعلمه سبحانه وتعالى بأن لهؤلاء الدور الأكبر والفضل الأعظم لمن يأتون من بعدهم لما يتحملونه من المهام الجسام في ظروف عصيبة قد لا يتحمله غيرهم ممّن يولدون على الإسلام، ولأن هؤلاء لهم أجر من إهتدى من بعدهم، لأنهم كانوا السبب في هدايتهم ( [121] ) .

يقول محمد حسين فضل الله: (لأن هناك فرقًا كبيرًا بين الذين يجاهدون وينفقون في الظروف الصعبة القاسية التي كان الإسلام فيها يعاني من قلة العدد والعدة، في مواجهة القوة الكافرة التي كانت تتميز بكثرة العدد والعدة، وبين الذين يجاهدون بعد الفتح الذي كانت القوة فيه للمسلمين وذلك بعد فتح الحديبية أو فتح مكة، بحيث لم تكن هناك مشكلة كبيرة في العدد والعتاد، الأمر الذي يجعل الفئة الأولى في المواقع المتقدمة في درجات القرب من الله، لأن مسألة المعاناة في مواقفهم والأثر الكبير الإيجابي في نصرتهم للإسلام في مواقعهم تحمل ميزةً كبيرةً لا تقترب منها الفئة الأخيرة) . ( [122] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت