فهرس الكتاب
ولو تولى منصب الخلافة بعد رسول الله علي بن أبي طالب مباشرة ما كان ليفعل أكثر من ما فعله أبو بكر. ولم يكن يحق له أن يقعد عن محاربة المتنبئين والمرتدين وجاحدي الزكاة، أو جاحدي أي ركن من أركان الإسلام؛ ولو قعد ـ لا سمح الله ـ لم يكن الدين الإسلامي أيضًا ليتغير لا في أصوله ولا في فروعه، بل ربما كان قد يزول من الوجود بكامله، أو ينقص عدد المعتنقين له.
قد يقول قائل: إن لأحداث التاريخ ومجريات الأمور دخل كبير في صناعة التاريخ وهداية البشرية، لو جرت على أحسن الوجوه ومن غير مساوئ أو مثالب.
قلت: هذا صحيح في الجانب الإنساني والإجتماعي، أما على صعيد الدين أصولًا وشريعة، فلا تأثير ولا تغيير ولا تبديل.
وقد يقول قائلهم: أن الخلافة لو أفضت إلى سيدنا علي مباشرة بعد رسول الله r لكان الإسلام قد إنتشر بشكل أكبر ولعمّ الخير في الأرض وأصبح الناس سعداء في حياتهم.
قلت: ليس هذا إلاّ ظنًّا من قائله ? وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا ?، فإن الخلفاء الذين حكموا قبله لم يقصّروا في نشر الإسلام وقمع المرتدين والكفار. أما علي t فلقد حكم لأكثر من أربع سنوات ولم يفعل أكثر مما فعله الخلفاء قبله؛ بل إنشغل رضي الله عنه بإخماد الفتن الداخلية ولم تسنح له الظروف المواتية ليسل سيفًا واحدًا على المشركين، وبطبيعة الحال لم يكن هو السبب في جريان الأمور على هذا المجرى، بل لأن أنصاره وأتباعه لم يكونوا على مستوى المسؤولية، ولقد عوتب على هذا فقال: ( لقد كنت أمس أميرًا فأصبحت اليوم مأمورًا، وكنت أمس ناهيًا فأصبحت منهيًا، وقد أحببتم البقاء وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون) . ( [27] )
وهب أن هذا الرأي كان صوابًا، فإن مدى إنتشار الإسلام من قلة أو كثرة ليس له دخل في أصول الدين ولا في فروعه.