فهرس الكتاب
وقوله: «هذا الأمر في قريش ما إذا استرحموا رحموا، وإذا حكموا عدلوا، وإذا قسموا أقسطوا، وإذا عاهدوا وفوا؛ فإن لم يفعلوا ذلك، فعليهم لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منهم صرف ولا عدل» .
ومثل هذا من أقواله كثير، ويعلم هذا من دينه، كما يعلم من دينه أن الولد للفراش وللعاهر الحجر، وان اليمين على المنكر والبينة على المدعي، والنفقة على الزوج دون المرأة، وما أشبه ذلك من شريعته. وهذه الوصايا منه إنما هي لأصحابه وخاصته، فمن أشكل عليه بعد هذا انه ما نص على رجل بعينه، وان الخلفاء بعده يجوز أن يقع منهم الخطأ والزلل، وأنه ليس فيهم من يؤمن منه ذلك، فقد أشكل عليه الواضح من شريعة رسول اللّه r وجلّى سيرته، والمكشوف عن شريعته ووصاياه.
فإن قيل: كيف أشكل هذا على هؤلاء القوم؟ قيل له: ليس يعرف هذا بكمال العقل وان كان واضحا، وإنما يعرف بكثرة السماع وحسن الإصغاء والتأمل، وجودة التحصيل وصحة النقل.
ألا ترى أن في هؤلاء من يقول: إن في القرآن زيادة، وفيهم من يقول:
فيه نقصان، وفيهم من يقول: للطهارة والصلاة والصيام وسائر الشريعة باطن يخالف ما عليه الفقهاء والعامة، والى ما يذهب أهل التناسخ وقوم من الصوفية. وكل من جالس العلماء وكثر سماعه وجاد تحصيله، يعلم علما يقينا أن هذا خلاف دين النبي r؛ وقد عرف أصحابه من سيرته جواز الاختيار في الأئمة والأمراء، وعملوا بذلك في حياته r.