فهرس الكتاب
وقد دعا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وفرض على الناس طاعته، وابتلى بمن خالفه، وبمن قعد عنه، وبمن ضلله، وبمن إرتد عنه من أصحابه؛ فما إحتج على مخالفيه إلاّ بالإختيار، وإن طاعته قد وجبت لأنه قد بايعه الذين بايعوا أبا بكر، وعمر، وعثمان. وقد إحتج لنفسه واحتج عنه ولده وشيعته وأهل بيته، وكاتب معاوية وراسله، ثم صار إلى الشام، واحتج على أهل الشام وأهل البصرة ,أهل النهروان هو وأصحابه، فما إحتجوا في مكاتبة ولا في مراسلة ولا في مشافهة، إلاّ بأنه بايع الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، وأنه لا تحل مخالفته كما لم يحل مخالفتهم، ولا يذكرون في إحتجاجهم كما يذكر هؤلاء من الآيات ولا من الأخبار؛ ولا قوله: ( من كنت مولاه) ، ولا: ( أنت مني بمنزلة هارون من موسى) ، مما يحتجون به. فلو كانوا هؤلاء شيعته t لسلكوا سبيله، واقتفوا أثره؛ فقد بلي من هذا الأمر، ومن خلاف الناس عليه، ومن رجوع أصحابه عنه، ومن إكفارهم له، ما لم يبتل به أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا أحد من أهل الشورى والبدريين. وقد بالغ في إقامة الحجة عليهم، وكلهم من أهل القبلة وأهل الصلاة، وإلى القرآن يرجعون، وبأحاديث رسول الله r يحتجون، والحجة من قبله يطلبون؛ فما قال قط ولا ولده ولا من يحتج عنه من أهل بيته: أن رسول الله r قد قال فيّ: ( من كنت مولاه فعلي مولاه ) ولا ( أنت مني بمنزلة هارون من موسى) ، وهذا نص منه على إستخلافي، وهذا شيء تأويله النص وباطنه الإستخلاف.
ولا قال هو ولا أحد من أصحابه ومن يحتج له: لمَ تكفرونني وتضللوني والنبي قد إستخلفني ونصّ عليَّ وشهد بعصمتي، وإني لا أخطئ ولا أزل ولا أضل، ولا يقم منّي معصية لله. وهو t أعلم بدين الله وبالحجة، وأفقه وأبصر وأشجع، فلو كان لذلك أدنى إشارة من رسول الله r لأحتج بها وبيّنها قبلوا منه أو لم يقبلوا. وفي هذا أتم بيان وأوضح حجة). ( [46] )
المبحث الثالث