فهرس الكتاب
فلم يبق أمامنا إلاّ أن نقول أن المسلمين الأوائل الذين آمنوا في تلك الظروف القاسية مع علمهم بأنهم سيكونون معرضين لأشد وأقسى أنواع الأذى من المشركين؛ ما دفعهم إلى الإيمان بما جاء به محمد r سوى الإيمان الخالص من كل ما يشوبه من مرض القلب أو النفاق، فتركوا المال والأهل وما ألفوا عليه من دين آبائهم وأجدادهم، وآثروا على أن يتحملوا صنوف الهوان والعذاب والتنكيل على العيش الرغيد والتمتع بالدنيا وملذاتها من الخمور والنساء وسائر المتعة.
يقول قاضي القضاة عبد الجبار: ( فإن هؤلاء قد أجابوه بلا دنيا ولا سيف، وبمصيرهم إلى طاعته صحت نبوته فظهرت دلائل رسالته، لأنه ما خلق قوما حملوا السلاح معه، وإنما أجابه المهاجرون والأنصار الذين هم من قريش وغيرهم من العرب وقد أتاهم بإكفارهم وإكفار آبائهم على ما شرحنا وبينا، وهو من الوحدة والفقر على ما ذكرنا، فمكث بمكة بعد ادعائه النبوة خمسة عشر سنة يدعو إلى دينه، فيجيبه النفر بعد النفر على خوف شديد، وقد تجردت قريش وغيرهم من أعدائه له r ولمن اتبعه وأطاعه، فيقصدونهم بالضرب والتعذيب الشديد، ويمنعونهم الأقوات، ويتعاهدون على أن لا يبايعوهم ولا يشاروهم ولا يناكحوهم، وقد كتبوا في ذلك الصحف، وقد قتلوا منهم قبل الهجرة رجالا ونساء) . ( [79] )
ويقول السيد محمد حسين فضل الله، وهو يتحدث عن مبررات النفاق:
( وقد لا تكون هذه العقدة، أو هذا المرض، من الأشياء الأصيلة في ذات الإنسان، بل قد ينشأ ذلك من حالة الخوف من مواجهة المجتمع بما يخالف تفكيره وأوضاعه.. وقد تنشأ من حالة الطمع الذي يمنع الإنسان من الوقوف في المواقع الحاسمة التي لا تنسجم مع مصادر الطمع وموارده. وقد تنشأ من حالة نفسية قلقة يعيش الإنسان معها طبيعة الحَيْرة والتردّد في كلّ موقف من مواقف الحياة ) . ( [80] )
إذن فلماذا ترمي الشيعة أوائل الذين أسلموا بمكة بالنفاق ومرض القلب؟!