الصفحة 99 من 183

ولا يشك في زهد هؤلاء ( أي الصحابة ) إلا من شك في زهد رسول اللّه r، ولا يبلغ ذلك إلا الجاهل القليل النظر البطيء التأمل. فأما من نظر واعتبر وكان قصده التعرف والتبيين، فان ذلك يفضي به إلى العلم بأنه ما صحب نبيا قط قوم أزهد ولا أورع ولا أعلم من هؤلاء قبل أن يرجع إلى قوله عز وجل: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» . فلو كان غرض أصحابه الدنيا والملك لكانوا وإن ابتدءوا بذكر الزهد في أول أمرهم إذا ملكوا وقدروا عليها قد ساروا فيها سيرة طلاب الدنيا وملوكها وخطّابها، وما لبثوا أن تظهر سرائرهم وضمائرهم عند القدرة. بهذا جرت العادة، وهكذا أخرجت العبرة، فان من تخلّق للناس وتصبّر خوفًا منهم واتقاءً لهم ومداراةً لهم، إذا قدر وتمكن تغير وزال عما كان، وظهر مكنونه، فلما دام أمر رسول اللّه r وهؤلاء واتصل على طريقة واحدة، علم العالم المتأمل أن سريرتهم كعلانيتهم، وظاهرهم كباطنهم . فإن هؤلاء قد أجابوه بلا دنيا ولا سيف، وبمصيرهم إلى طاعته صحت نبوته فظهرت دلائل رسالته، لأنه ما خلق قومًا حملوا السلاح معه، وإنما أجابه المهاجرون والأنصار الذين هم من قريش وغيرهم من العرب.

وقبض r بالمدينة والغلبة فيها لمن يعتقد صدقه ونبوته من المهاجرين والأنصار وأتباعهم وأمثالهم، وهم الذين أحاطوا بأبي بكر وأقاموه خليفة وغزوا من ارتد عن دين رسول اللّه r حتى غلبوهم وأذلوهم وقتلوهم، وغزوا فارس والروم وأمم الشرك وجميع أعداء رسول اللّه r وأذلوهم وادخلوا بلدانهم في بلدان الاسلام، ولم يكن لهم شغل إلا إعزاز دينه، وإقامة نصوصه، وإحياء شريعته وبثها ونشرها وإظهارها، وإعزاز من أقام بدينه وإذلال من تعرض لإماتة شيء منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت