وفي هؤلاء وفساد مسلكهم، وصعوبة إقناعهم بالحق واتباعه؛ لاستحكام التقليد الأعمى في نفوسهم، وإفراطهم في إحسان الظن بأئمتهم يقول الإمام العز بن عبد السلام [1] -رحمه الله-: (( ومن العجب العجيب: أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه، بحيث لا يجد لضعفه مدفعا، ومع هذا يقلده فيه، ويترك الكتاب والسنة والأقيسة الصحيحة لمذهبه؛ جمودًا على تقليد إمامه، بل يتحلل لدفع ظواهر الكتاب والسنة، ويتأولهما بالتأويلات البعيدة الباطلة؛ نضالا عن مقلده.
وقد رأيناهم يجتمعون في المجالس، فإذا ذكر لأحدهم في خلاف ما وطن نفسه عليه تعجب غاية العجب- من غير استرواح إلى دليل، بل لما ألفه من تقليد إمامه، حتى ظن أن الحق منحصر في مذهب إمامه- أولى من تعجبه من مذهب غيره.
فالبحث مع هؤلاء ضائع، مفض إلى التقاطع والتدابر، من غير فائدة يجديها، وما رأيت أحدًا رجع عن مذهب إمامه إذا ظهر له الحق في غيره، بل يصر عليه مع علمه بضعفه وبعده.
(1) هو أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن السلمي الدمشقي ثم المصري، الملقب بسلطان العلماء، ولد سنة سبع أو ثمان وسبعين وخمسمائة هـ وتفقه في المذهب الشافعي وبرع فيه؛ حتى فاق فيه الأقران والأضراب، وجمع بين فنون العلم، من التفسير والحديث والفقه والأصول والعربية واختلاف الناس ومآخذهم؛ حتى قيل إنه بلغ رتبة الاجتهاد، وله مؤلفات نفيسة تدل على مقداره في العلم، ومن أشهرها كتابه: القواعد الكبرى، ورحل إليه طلبة العلم وأفادوا منه، وولي الخطابة في دمشق، فكان أمارًا بالمعروف نهاء عن المنكر يقول الحق ولا يخاف في الله لومة لائم، وأزال كثيرًا من بدع الخطباء توفي في مصر سنة 660هـ ودفن بالقرافة ترجمته في: طبقات الشافعية للسبكي 5/80، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة 2/ 440.