هذا العقل الذي به يحصل الاعتبار النافع، والنظر الصحيح يدل صاحبه على وجوب التسليم لله تعالى ولرسوله-صلى الله عليه وآله وسلم-، والقبول عنهما، وأن ذلك حقيقة الديانة؛ إذ حقيقتها: كمال التعظيم لله تعالى، وكمال التذلل والخضوع له، والتسليم هو الذي يعكس صورة هذا الخضوع وذلك التعظيم، ويجعله واقعًا ملموسا، لا دعوى مجردة.
كما يمنعه من الاعتراض على شيء مما جاء عنهما أو معارضته، سواء كان ذلك حكما أو خبرًا، أو أمرًا أو نهيًا؛ لأنه يعلم أن ما جاء عنهما يجب أن يكون معصوما من الغلط والسهو، ومن كل ما يسوغ الاعتراض عليه، أو التشكك فيه.
وبالجملة فالعقل دال على صدق الرسول-صلى الله عليه وسلم-، وصدق ما أخبر به دلالة عامة مطلقة [1] ، فلم يبق بعد ذلك إلا القبول لما جاء به ومتابعته فيه، وإلا كان قدحا في دلالة العقل.
ولذلك يحكم بصحة النظر وسلامته؛ إذا وافق ما جاء به الوحي في كتاب الله تعالى وسنة رسوله-صلى الله عليه وسلم-، وأذعن له، ومتى اعترض على شيء من ذلك أو عارضه حُكِمَ بفساده واختلاله.
قال الإمام الأصبهاني-رحمه الله-: (( ولا نعارض سنة النبي-صلى الله عليه وسلم- بالمعقول؛ لأن الدين إنما هو الانقياد والتسليم، دون الرد إلى ما يوجبه العقل؛ لأن العقل ما يؤدي إلى قبول السنة، فأما ما يؤدي إلى إبطالها فهو جهل لا عقل ) ) [2]
(1) انظر: درء تعارض العقل والنقل 1/ 138، الصواعق المرسلة 3/ 808
(2) الحجة في بيان المحجة 2/ 509.