وحين زعم زاعمون أن نظرهم عارض بعض ما جاء به الوحي؛ وجعلوا بين النظر وبين نصوص الوحي حربا مستعرة، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى عزل الوحي بالكلية عن أن يستفاد به شيء في باب معرفة الله تعالى!! وَوَصْفِهِ بالقصور في هذا الباب العظيم، والتصريح بأن المعرفة الحقيقية بالله تعالى وإدراك ما يجوز في حقه وما يمتنع لا يُنَالُ إلا بحجة العقل؛ [1] حكم العقلاء بفساد عقولهم، وأنهم بهذه الحالة لم يبق معهم عقل ولا سمع.
يقول ابن القيم-رحمه الله-: (( إن هؤلاء المعارضين بين العقل والنقل قد فارقوا العقل والنقل، فلا عقل ولا نقل، وهم الذين يقولون:چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ الملك: 10
أما النقل فإنهم سمحوا بمفارقته، وهان عليهم أمره، وأما العقل: فلو تدبروا أقوالهم ومعقولهم الذي عارضوا به النقل؛ لاستحيوا من أهل العقل الذين هم أهله ... )) [2]
ولهذا فقد عظمت نعمة الله-سبحانه- على أهل السنة والجماعة؛ لما هداهم إلى الحق والصواب في شأن العقل، وهو الاستفادة منه في محيط الوحي، وجعله آلة لتدبر الوحي وتفهمه، لا أن يكون معارضا له معترضا عليه، أو مناقشا له باحثا عن وجوه الخلل فيه.
ويبين شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-هذا المنهج الحق الذي ظفر به أهل السنة في قضية العقل، وكانوا به مخصوصين بالحق دون من سواهم ممن خالفهم بغلو أو جفاء فيقول: (( ولما أعرض كثير من أرباب الكلام والحروف، وأرباب العمل والصوت، عن القرآن والإيمان تجدهم في العقل على طريق كثير من المتكلمة، يجعلون العقل وحده أصل علمهم، ويفردونه، ويجعلون الإيمان والقرآن تابعين له.
والمعقولات عندهم هي الأصول الكلية المستغنية بنفسها عن الإيمان والقرآن.
(1) يقول القاضي عبد الجبار المعتزلي: (( فاعلم أن الدلالة أربعة: حجة العقل، والكتاب، والسنة، والإجماع، ومعرفة الله لا تنال إلا بحجة العقل ) )! شرح الأصول الخمسة ص: 88.
(2) الصواعق المرسلة 3/ 992.