الصفحة 106 من 429

وكثير من المتصوفة يذمون العقل ويعيبونه ويرون أن الأحوال العالية والمقامات الرفيعة، لا تحصل إلا مع عدمه، ويقرون من الأمور بما يكذب به صريح العقل.

ويمدحون السكر والجنون والوله، وأمورا من المعارف والأحوال التي لا تكون إلا مع زوال العقل والتمييز، كما يصدقون بأمور يعلم بالعقل الصريح بطلانها ممن لم يعلم صدقه، وكلا الطرفين مذموم.

بل العقل شرط في معرفة العلوم، وكمال وصلاح الأعمال، وبه يكمل العلم والعمل؛ لكنه ليس مستقلا بذلك؛ بل هو غريزة في النفس، وقوة فيها، بمنزلة قوة البصر التي في العين، فإن اتصل به نور الإيمان والقرآن؛ كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس والنار.

وإن انفرد بنفسه لم يبصر الأمور التي يعجز وحده عن دركها، وإن عزل بالكلية كانت الأقوال والأفعال مع عدمه: أمورًا حيوانية، قد يكون فيها محبة، ووجد، وذوق، كما قد يحصل للبهيمة.

فالأحوال الحاصلة مع عدم العقل ناقصة، والأقوال المخالفة للعقل باطلة.

والرسل جاءت بما يعجز العقل عن دركه، لم تأت بما يعلم بالعقل امتناعه، لكن المسرفين فيه قضوا بوجوب أشياء وجوازها، وامتناعها لحجج عقلية بزعمهم اعتقدوها حقا، وهي باطل، وعارضوا بها النبوات وما جاءت به، والمعرضون عنه صدقوا بأشياء باطلة، ودخلوا في أحوال وأعمال فاسدة، وخرجوا عن التمييز الذي فضل الله به بني آدم على غيرهم )) [1]

وبهذا يعلم أن كمال العقل وصلاحه وسلامته لا تحصل إلا بكمال تسليمه لله-عزوجل- ولرسوله-صلى الله عليه وآله وسلم-، ومقابلة ما جاء عنهما بالإذعان والانقياد، والإعراض عن مواجهته بنحو: لِمَ، وكيف، وهلا، ولو، ولولا، وليت، وغيرها من صور الاعتراض الصريحة أو الخفية، ومتى عكس ذلك بأن عارض الوحي، أو شك في صوابه وصحته؛ انعكس عليه الأمر، وكان ذلك نذير فساده وخرابه، وحق بأن يحكم عليه بالسفه والجهل.

(1) مجموع الفتاوى 3/ 338 - 339.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت