ومن هنا لا يُرى أصحاب العقول الصحيحة الكاملة، إلا ناصرين للوحي قابلين له، فرحين به، مقبلين على تعلمه وتفهمه والعمل به، وتعليمه للناس وإشاعته بينهم، لا يصدرون إلا منه، ولا يرجعون إلا إليه في جليل أمورهم ودقيقها، بينما يرى من فسدت عقولهم معرضين عنه، أو معارضين له، منزعجين منه، يودون أنه لم يرد!! [1] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-: (( ومن المعلوم أنك لا تجد أحدا ممن يرد نصوص الكتاب والسنة بقوله إلا وهو يبغض ما خالف قوله، ويود أن تلك الآية لم تكن نزلت، وأن ذلك الحديث لم يرد، ولو أمكنه كشط ذلك من المصحف لفعله.
قال بعض السلف: ما ابتدع أحد بدعة إلا خرجت حلاوة الحديث من قلبه.
وقيل عن بعض رؤوس الجهمية- إما بشر المريسي، أو غيره-: أنه قال: ليس شيء أنقض لقولنا من القرآن، فأقروا به في الظاهر، ثم صرفوه بالتأويل، ويقال إنه قال: إذا احتجوا عليكم بالحديث فغالطوهم بالتكذيب، وإذا احتجوا بالآيات فغالطوهم بالتأويل.
(1) كما حكي عن الجهم بن صفوان رأس الجهمية، وحامل لواء العداء للوحي، روى عبد الله بن الإمام أحمد قال: حدثني محمد بن إسحاق الصاغاني، حدثني يحي بن أيوب سمعت أبا نعيم البلخي شجاع بن أبي نصر قال: سمعت رجلا من أصحاب جهم كان يقول بقوله، وكان خاصا به ثم تركه وجعل يهتف بكفره قال: رأيت جهما يوما افتتح سورة چ ? ? چ طه: 1 فلما أتى على هذه الآية:چ ژ ژ ڑ ڑ چ طه: 5 قال: لو وجدت السبيل إلى حكها لحككتها!! قال ثم قرأ حتى أتى على آية أخرى فقال: ما كان أظرف محمدًا -صلى الله عليه وسلم- حين قالها، قال: ثم افتتح سورة القصص، فلما أتى على ذكر موسى-صلوات الله عليه- جمع يديه ورجليه ثم دفع المصحف ثم قال: أي شيء هذا؟ !! ذكره ها هنا فلم يتم ذكره، وذكره فلم يتم ذكره. السنة لعبد الله بن أحمد 1/ 167 برقم: (190) ، العلو للعلي الغفار للذهبي ص:154، برقم: (418) .