2-أن لإدراك العقول البشرية حدًا يجب أن تقف عنده ولا تتعداه.
3-أن الله-تعالى-لم يتعبد خلقه بأن يدركوا جميع الأمور بعقولهم؛ لعجزهم عن ذلك، وقصور عقولهم ومداركهم عن الإحاطة بها، بل أحالهم في كثير منها على التسليم والتعبد المحض.
قال الإمام السمعاني [1] -رحمه الله-: (( ونحن إذا تدبرنا عامة ما جاء في أمر الدين: من ذكر صفات الله-عزوجل- وما تعبد الناس من اعتقاده، وكذلك ما ظهر بين المسلمين وتداولوه بينهم ونقلوه عن سلفهم إلى أن أسندوه إلى رسول الله-صلى الله عليه وسلم- من ذكر عذاب القبر، وسؤال الملكين، والحوض، والميزان، والصراط، وصفات الجنة وصفات النار، وتخليد الفريقين فيهما، أمور لا ندرك حقائقها بعقولنا، وإنما ورد الأمر بقبولها والإيمان بها، فإذا سمعنا شيئا من أمور الدين وعقلناه وفهمناه فلله الحمد في ذلك والشكر، ومنه التوفيق، وما لم يمكنا إدراكه وفهمه، ولم تبلغه عقولنا آمنا به وصدقنا، واعتقدنا أن هذا من قبل ربوبيته وقدرته، واكتفينا في ذلك بعلمه ومشيئته ) ) [2] .
(1) هو الإمام العلامة: منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد التميمي السمعاني الحنفي ثم الشافعي، ولد سنة ست وعشرين وأربعمائة هـ، وكان-رحمه الله- علما من أعلام السنة، شديدًا على المبتدعة المخالفين للحق، فقيهًا مبرزًا، وفيه قال إمام الحرمين:"لو كان الفقه ثوبا طاويا لكان أبو المظفر طرازه"توفي سنة تسع وثمانين وأربعمائة هـ عن ثلاث وستين سنة. أنظر: الأنساب لحفيده 3/ 299، سير أعلام النبلاء 19/ 114.
(2) نقله عنه السيوطي في صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام ص: 182، ولم أجد للسمعاني مؤلفًا يرجع إليه في توثيق هذا النقل النفيس وغيره من النقول التي سترد في هذا البحث منه، ولعله في كتابه المفقود المسمى: الانتصار، نسأل الله أن ييسر العثور عليه.
فالحاصل: أن (( عدم العلم ليس علما بالعدم، وعدم علمنا بالحقائق لا ينفي ثبوتها في أنفسها، فما أخبر به الصادق المصدوق-صلى الله عليه وسلم- هو ثابت في نفس الأمر، سواء علمنا صدقه أو لم نعلمه، ومن أرسله الله-تعالى- إلى الناس فهو رسوله، سواء علم الناس أنه رسول أو لم يعلموا، وما أخبر به فهو حق وإن لم يصدقه الناس، وما أمر به عن الله، فالله أمر به وإن لم يطعه الناس، فثبوت الرسالة في نفسها، وثبوت صدق الرسول وثبوت ما أخبر به في نفس الأمر ليس موقوفًا على وجودنا، فضلًا عن أن يكون موقوفا على عقولنا، أو على الأدلة التي نعلمها بعقولنا، وهذا كما أن وجود الرب-تعالى-وما يستحقه من الأسماء والصفات ثابت في نفس الأمر سواء علمناه أو لم نعلمه ) ). درء تعارض العقل والنقل 1/ 87-88، وانظر: الصواعق المرسلة 3/ 799.