... حقيقة دين الإسلام الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه، هو أن يستسلم العبد لله لا لغيره، فالمستسلم له ولغيره مشرك، والممتنع عن الاستسلام له مستكبر )) [1]
ويجب تفويض ما لا يدرك بالعقل حقيقته، إلى عالمه-وهو الله تبارك وتعالى-، سواء كان ذلك في الأخبار، أو في الأحكام الشرعية العملية، أو كان في أفعال الله-عز وجل [2] وعدم التكلف، أو التساؤل الذي قد يورث الشك والارتياب، مع القطع بأن ما جاء عن الله-سبحانه-، أو عن رسوله-صلى الله عليه وسلم- هو عين الصواب، ومحض الحق، ومقتضى الحكمة والمصلحة والرحمة للناس في دينهم ودنياهم، وأن كل ما تقدره العقول، أو تتخيله الأذهان، مما يخالف ذلك، ما هو إلا تزيين الشيطان، وتسويله، ووحيه الباطل.
ولهذا قال بعض السلف-رحمه الله-: (( قدم الإسلام لا تثبت إلا على قنطرة التسليم ) ) [3]
وعلى هذا: فمن جوز أن يكون ثم شيء يمكن معارضة الكتاب والسنة به؛ لم يكن مسلِّمًا لله ورسوله؛ فلم يكن مسلمًا الإسلام الصحيح النافع؛ لإخلاله بهذا الأصل العظيم، الذي لا يتصور حصول الإسلام-على الحقيقة- بدونه، ولا يصدق اسم (( المسلم ولا المؤمن ) )-على وجه الإطلاق- على من لا يتصف به ولا يحققه [4]
(1) رسالة العبودية ص: 84.
(2) مثل حقائق صفات الله-عز وجل-، وحِكَم الأوامر والنواهي والأحكام الشرعية، وأسرار القضاء والقدر في أفعال الله سبحانه وتعالى. ... ... ... ... ... ... ...
(3) كذا ذكره أبو عثمان الصابوني من غير إسناد، في كتابه: عقيدة السلف أصحاب الحديث ص:71، وكذا البغوي في شرح السنة 1/ 171.
(4) يقول شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمة الله عليه-: (( ففي الجملة لا يكون الرجل مؤمنا؛ حتى يؤمن بالرسول إيمانا جازما، ليس مشروطا بعدم معارض، فمتى قال: أؤمن بخبره إلا أن يظهر له معارض يدفع خبره لم يكن مؤمنا به، فهذا أصل عظيم تجب معرفته فإن هذا الكلام هو ذريعة الإلحاد والنفاق ) )درء تعارض العقل والنقل 1/ 178.
وقال الإمام ابن حزم-رحمه الله-: (( فلم يسع مسلما يقر بالتوحيد أن يرجع عند التنازع إلى غير القرآن والخبر عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، ولا أن يأبى عما وجد فيهما، فإن فعل ذلك بعد قيام الحجة عليه فهو فاسق، وأما من فعله مستحلا للخروج عن أمرهما وموجبا لطاعة أحد دونهما فهوكافر لا شك عندنا في ذلك، وقد ذكر محمد بن نصر المروزي أن إسحاق بن راهويه كان يقول: من بلغه عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- خبر يقر بصحته ثم رده بغير تقية فهو كافر ) ). الإحكام في أصول الأحكام 1/ 99.